وتستدعي ميون اليوم مفارقة تاريخية مع عدن عام 1967. فبريطانيا لم تنسحب من عدن بسبب فقدان القدرة على البقاء، وإنما بعدما أعادت تقييم كلفة انتشار عالمي لم تعد مواردها والتزاماتها تسمح باستمراره بالشكل السابق. واليوم لا تتكرر القصة بالضرورة، لكن السؤال يعود بصيغة مختلفة: هل تتجه الولايات المتحدة إلى تقليص بعض أعباء الحراسة البحرية، وإعادة توزيع النفوذ والمخاطر على ممرات تستفيد منها القوى الكبرى والمنافسون على السواء؟
موقع استثنائي
تقع ميون عند مدخل باب المندب، وتفصل بين ممرين بحريين، ما منحها أهمية إستراتيجية تفوق حجمها. ومع افتتاح قناة السويس عام 1869، أصبح المضيق جزءا محوريا من الطريق البحري بين البحر المتوسط والمحيط الهندي، لترتبط قيمة الجزيرة مباشرة بحركة التجارة والطاقة العالمية.
وفي الحرب الباردة، اكتسبت المنطقة أهمية إضافية مع تنامي الحضور السوفيتي في جنوب اليمن. وبعد عقود، سيطرت القوات اليمنية المناهضة للحوثيين على ميون عام 2015 بدعم من التحالف، قبل أن تعود إلى واجهة الصراع مع التطورات الأخيرة.
ويقول الحوثيون إن عملياتهم لا تستهدف الملاحة الدولية عموما، مع استثناء السفن السعودية من خطابهم المتعلق بالحصار البحري. غير أن وجود طرف مسلح داخل المضيق يضيف بعدا جغرافيا إلى قدرته على الضغط، حتى من دون امتلاك سيطرة بحرية كاملة.
من عدن
تكمن أهمية تجربة عدن في أنها توضح كيف يمكن لإعادة تقييم كلفة الانتشار أن تغير خريطة النفوذ. ففي 1966 بدأت لندن مراجعة واسعة لالتزاماتها العسكرية خارج أوروبا، قبل أن تنسحب من عدن في العام التالي.
ولم ينتج عن الانسحاب وريث واحد للدور البريطاني؛ إذ اقترب جنوب اليمن من الاتحاد السوفيتي، وتوزعت حسابات النفوذ في البحر الأحمر وخليج عدن بين قوى دولية وإقليمية ومحلية.
وتبرز هنا المفارقة مع ميون: كان السؤال في 1967 عن انسحاب قوة مهيمنة من قاعدة وميناء إستراتيجيين، بينما يدور اليوم حول مدى استمرار قدرة قوة بحرية عالمية على تحمل كلفة حماية ممرات تتجاوز مصالحها المباشرة.
كلفة البحر
تحملت الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية جانبا رئيسيا من مسؤولية حماية طرق التجارة البحرية، مستندة إلى شبكة من القوات والقواعد والتحالفات. لكن النظام البحري المفتوح الذي تتحمل واشنطن جزءا من كلفة حمايته تستفيد منه أيضا قوى منافسة، وفي مقدمتها الصين التي تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة البحرية. وتملك بكين قاعدة عسكرية في جيبوتي، لكن ذلك لا يعني تلقائيا انتقال وظيفة الحراسة البحرية العالمية إليها؛ فالحماية تحتاج إلى مراقبة وانتشار واعتراض وتحالفات وجاهزية مستمرة.
وتكمن المشكلة في عدم تكافؤ الكلفة بين المهاجم والمدافع. فالمهاجم لا يحتاج إلى السيطرة على البحر، بل يكفيه امتلاك القدرة على جعل المرور أكثر خطرا أو كلفة.
من يرث
قد لا يكون السؤال الأهم في باب المندب من يرث العباءة الأمريكية، بل من يتحمل كلفة ارتدائها. فتجربة عدن تشير إلى أن خروج قوة كبرى لا يقود بالضرورة إلى انتقال نفوذها كاملا إلى قوة واحدة.
ومن ثم، فإن أي تراجع أمريكي محتمل لا يعني بالضرورة ظهور بديل منفرد، بل قد يفتح المجال أمام توزيع أكبر للأدوار والمخاطر بين قوى دولية وإقليمية.