تنتقل معركة الألغام البحرية إلى مرحلة جديدة، مع دخول الذكاء الاصطناعي والسفن غير المأهولة والسونار المتقدم في عمليات البحث والتصنيف والتحييد، في محاولة لتقليص أسابيع أو أشهر من العمل إلى سلسلة عمليات أسرع وأكثر أمانًا. وتكتسب هذه التقنيات أهمية خاصة في الممرات البحرية الإستراتيجية، حيث يمكن للغم منخفض الكلفة أن يفرض قيودًا كبيرة على حركة السفن والتجارة والقوات البحرية، بينما يتطلب اكتشافه وتحديد طبيعته وتحييده عمليات معقدة ومحفوفة بالمخاطر.

سلاح رخيص

رغم التطور الكبير في وسائل الحرب البحرية، لا تزال الألغام من أكثر أدوات تعطيل الملاحة انخفاضًا في الكلفة. ويوضح مارك بوك، نائب الرئيس للإستراتيجية وتطوير الأعمال في شركة Advanced Acoustic Concepts، أن الألغام توفر وسيلة غير متكافئة لحرمان الخصم من حرية الحركة البحرية، سواء لأسباب عسكرية أو اقتصادية.


ولا تقتصر التهديدات على الألغام التقليدية منخفضة التقنية، التي يمكن أن تكون رخيصة وبسيطة، إذ تطورت أنواع أخرى لتعمل في قاع البحر، وبعضها يمكن دفنه تحت الرواسب، ما يجعل اكتشافه أكثر صعوبة ويزيد من تعقيد عمليات التطهير.

معركة القاع

تبدأ عملية إزالة الألغام تقليديًا باكتشاف كل ما يوجد في قاع البحر، وهي مهمة لا تميز في مرحلتها الأولى بالضرورة بين اللغم والحطام أو المراسي أو الأجسام الأخرى التي قد تبدو في أجهزة الاستشعار كأهداف خطرة.

ثم تأتي مرحلة تحديد الأهداف وتصنيفها، وهي عملية تتطلب العودة إلى المنطقة وفحص الأجسام واحدًا تلو الآخر، قبل الانتقال إلى المرحلة الأخيرة المتمثلة في تحييد اللغم. وكلما زادت كثافة الأهداف الزائفة، طال زمن العملية وارتفع الخطر على السفن والأطقم.

وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا في الممرات البحرية المكتظة، مثل مضيق هرمز، حيث لا يتعلق الأمر بالعثور على جسم واحد، وإنما بفحص مساحة واسعة والتأكد من خلوها من تهديدات قد تعطل حركة الملاحة.

عين السونار

هنا يأتي دور سونار الفتحة الصناعية المتقدم، ومنه منظومة SAMDIS، التي تعتمد على تصوير الأهداف من زوايا متعددة خلال مرور واحد. وتتيح هذه القدرة الحصول على صورة أكثر تفصيلًا للجسم المكتشف، بما يساعد على تقليل الأهداف الزائفة ورفع احتمالات اكتشاف الألغام وتصنيفها في وقت مبكر.

وبدمج بيانات السونار مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي، يمكن تحليل الأجسام المكتشفة ومقارنتها بالخصائص المعروفة للألغام، بدلًا من التعامل مع كل هدف باعتباره حالة منفصلة تحتاج إلى فحص مطول.

من الكشف للاشتباك

التحول الأهم يتمثل في تقليص الفاصل بين اكتشاف اللغم وتحديده والتعامل معه. فبدلًا من تنفيذ هذه العمليات في مراحل متباعدة، تسعى المنظومات الجديدة إلى بناء سلسلة متصلة تبدأ بالكشف وتنتهي بالتحييد، مع إبقاء العنصر البشري بعيدًا عن منطقة الخطر قدر الإمكان.

وتلعب السفن غير المأهولة دورًا محوريًا في هذا التوجه، إذ تستطيع دخول مناطق يحتمل وجود ألغام فيها وجمع البيانات دون تعريض طاقم سفينة مأهولة للخطر. وبعد تحديد الهدف، يمكن استخدام وسائل يتم التحكم فيها عن بعد للوصول إليه والتعامل معه.

حرب بلا أطقم

لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي هنا على اكتشاف اللغم، بل يمتد إلى مقارنة عمليات المسح المختلفة ورصد التغيرات في قاع البحر، بما يساعد على تحديد الأجسام التي ظهرت حديثًا أو تغيرت مواقعها.

وتتيح هذه القدرات بناء صورة أكثر ديناميكية لحقل الألغام، بدلًا من الاعتماد على مسح ثابت لمنطقة واسعة. كما تسمح بإرسال وسائل غير مأهولة إلى الأهداف التي تحتاج إلى مزيد من الفحص أو التحييد، مع إبقاء السفن والأطقم المأهولة خارج نطاق الخطر.

ممرات تحت الرقابة

يمثل هذا التحول محاولة لمعالجة واحدة من أقدم مشكلات الحرب البحرية: كيف يمكن تطهير طريق بحري دون كشف مسار عمليات التطهير للخصم أو تعريض القوات للخطر.

ففي الأساليب التقليدية، قد يعني دخول سفينة إلى حقل الألغام وتحييد أهدافه كشف المنطقة التي جرى تطهيرها. أما الاعتماد على المنصات غير المأهولة والاستشعار المتقدم والذكاء الاصطناعي، فيمنح القوات البحرية خيارات للعمل من مسافة أبعد، مع تقليل زمن التعرض للخطر وتعزيز القدرة على مراقبة الممرات البحرية. وبذلك، لا يغير الذكاء الاصطناعي طبيعة اللغم البحري نفسه، لكنه يعيد تشكيل المعركة المحيطة به، من البحث البطيء عن أجسام مجهولة في قاع البحر إلى منظومة رقمية تسعى إلى اكتشاف الهدف وتصنيفه وتحييده بأقل تعرض بشري ممكن.