وجاء هذا التفجر الميداني السريع مباشرة بعد تشكيل تحالف عسكري وسياسي غير مسبوق تحت مسمى "قوات الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء"، وهو ائتلاف يضم سبع جماعات معارضة ومسلحة تنتمي لأقاليم مختلفة، نجحت في تجاوز خلافاتها التاريخية والنزاعات المستمرة على الأراضي لتتوحد خلف هدف مشترك صريح وهو الإطاحة بنظام رئيس الوزراء آبي أحمد وتشكيل حكومة انتقالية.
اختراق إستراتيجي وسيطرة على المطارات
على الأرض، تُرجم هذا التحالف سريعاً بسلسلة من الهجمات المنسقة التي شنتها قوات تيغراي، وأسفرت عن فرض سيطرتها الكاملة على ثلاثة مطارات إستراتيجية رئيسية في الإقليم تشمل مطار العاصمة ميكيلي ومطاري أكسوم وشاير، ما دفع الخطوط الجوية الإثيوبية إلى إلغاء كافة رحلاتها المتوجهة إلى تلك المناطق بشكل فوري.
وتزامن هذا التصعيد مع موجة ضربات جوية مكثفة نفذها الجيش الفيدرالي عبر الطيران المسير مستهدفاً مواقع المتمردين، في وقت أكدت فيه منظمات دولية متخصصة حدوث انقطاع واسع وشامل لشبكات الإنترنت والاتصالات الأرضية والخلوية في إقليم تيغراي بأكمله، وسط حالة عارمة من الذعر الشعبي دفعت السكان المحليين للتدافع نحو الأسواق لتخزين المواد الغذائية الأساسية والسحوبات النقدية تخوفاً من حصار طويل الأمد.
امتداد النيران إلى أقاليم الجوار
ولم تعد خطوط المواجهة محصورة داخل حدود إقليم تيغراي وحده، بل تمددت رقعة الاشتباكات الدامية لتضرب بعنف إقليمي عفر وأمهرة المجاورين، حيث دارت معارك طاحنة لصد هجوم المتمردين على مدينة أبالا الحدودية واشتعلت جبهات أخرى في منطقة وولو الشمالية بمحيط المواقع التراثية في مدينة لاليبيلا بمشاركة شرسة من مليشيات "فانو" الأمهرية وجيش تحرير أورومو اللذين يقاتلان جنباً إلى جنب ضد السلطة المركزية في أديس أبابا.
هذا الانقلاب الجذري في خارطة التحالفات يعكس عمق الأزمة، إذ إن المليشيات الأمهرية التي كانت حليفاً رئيسياً لآبي أحمد في حرب عام 2020 ضد تيغراي أصبحت اليوم في خندق واحد معها ضد الحكومة.
مخاوف من كارثة إنسانية
وفي المقابل، يتمتع الجيش الفيدرالي الإثيوبي بمزايا تكتيكية وتكنولوجية متفوقة بفضل ترسانته الضخمة من الطائرات المسيرة الأجنبية والمصنعة محلياً والتي حركها في محاولة لقطع خطوط إمداد الجماعات المسلحة ومنعها من محاكاة إستراتيجيتها السابقة بالزحف جنوباً نحو العاصمة أديس أبابا.
وتتجه الأنظار بقلق بالغ نحو التداعيات الإقليمية والدولية لهذه الحرب التي تهدد بنسف اتفاق بريتوريا للسلام بالكامل، وسط تحذيرات من انزلاق القرن الإفريقي إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق لاسيما مع احتمال انجرار الجارة إريتريا إلى الصراع، وهو ما قد يعيد إحياء مآسي النزاع السابق الذي حصد أرواح مئات الآلاف وتسبب في تشريد الملايين من النازحين الذين ما زالوا يفتقرون للتعويضات والأمن.