بعد ساعات يطوي العراق في 30 سبتمبر صفحة الوجود العسكري للتحالف الدولي، بعد أكثر من عقدين على الغزو الأمريكي عام 2003، في خطوة تفتح أمام بغداد مرحلة جديدة في إدارة الملف الأمني. وتسلمت السلطات العراقية المقر الرئيسي للقوات الأمريكية في مطار بغداد الدولي، بالتزامن مع اتفاق مع تركيا بشأن انسحاب قواتها من قاعدة بعشيقة في محافظة نينوى، فيما أكدت بغداد أن تحديد طبيعة الوجود العسكري والأمني على أراضيها يخضع لقرار الحكومة العراقية.

صفحة جديدة

يأتي الانسحاب الأمريكي تنفيذا لاتفاق عراقي أمريكي أبرم عام 2024، وحدد نهاية سبتمبر 2026 موعدا لاستكمال إنهاء مهمة التحالف الدولي. وكانت المهمة القتالية الأمريكية ضد تنظيم داعش قد انتهت عام 2021، فيما تركزت مهام القوات المتبقية لاحقا على التدريب والاستشارة ودعم القوات العراقية.


ومع انتهاء مهمة التحالف، تتجه بغداد إلى الانتقال من إطار التعاون الجماعي ضد داعش إلى ترتيبات أمنية ثنائية مع عدد من الدول، يمكن أن تشمل التدريب والتسليح وتبادل المعلومات ورفع جاهزية القوات العراقية.

انسحاب وشراكة

ولا يعني الانسحاب العسكري بالضرورة نهاية التعاون الأمني بين العراق والولايات المتحدة. فالانسحاب يتعلق بانتهاء الوجود العسكري ضمن مهمة التحالف الدولي، بينما يمكن أن يستمر التعاون بين بغداد وواشنطن من خلال اتفاقات ثنائية وبرامج تدريب وتسليح وتنسيق أمني.

ويمنح هذا الانتقال الحكومة العراقية مساحة أكبر لتنظيم أشكال التعاون العسكري مع الشركاء وفقا لاحتياجاتها، فيما يبقى نجاح المرحلة الجديدة مرتبطًا بتطورات الوضع الأمني الداخلي وقدرة المؤسسات العراقية على إدارة الملفات الأمنية المعقدة.

اختبار السيادة

ويتزامن تسلم العراق بعض المواقع العسكرية مع توجه أوسع لإعادة تنظيم الوجود العسكري الأجنبي وفق تفاهمات مباشرة. ويأتي الاتفاق مع تركيا بشأن قاعدة بعشيقة ضمن هذا السياق، مع تأكيد بغداد أهمية السيادة ووحدة الأراضي واستقلال القرار الأمني.

وفي المقابل، يبقى ملف الفصائل المسلحة ونزع السلاح من القضايا الحساسة التي قد تؤثر في شكل التوازنات الأمنية والسياسية خلال المرحلة المقبلة، دون أن يعني ذلك بالضرورة مسارا واحدا أو نتيجة محسومة.

إرث ثقيل

يغلق الانسحاب فصلا بدأ بالغزو الأمريكي للعراق عام 2003، قبل انسحاب القوات الأمريكية عام 2011. وعادت القوات الأمريكية عام 2014 ضمن التحالف الدولي لمحاربة داعش، بعد سيطرة التنظيم على مساحات واسعة من العراق، قبل أن تتمكن القوات العراقية بدعم دولي من استعادة معظم تلك المناطق.

وخلال هذه السنوات، شهد العراق تحولات سياسية وأمنية عميقة، وتغيرت طبيعة علاقاته مع القوى الإقليمية والدولية. ومع اكتمال الانسحاب، تبدو العلاقة العراقية- الأمريكية متجهة نحو صيغة مختلفة، تجمع بين انتهاء المهمة العسكرية للتحالف واستمرار أشكال من التعاون الثنائي، في وقت تواصل فيه بغداد إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية وعلاقاتها الدولية.