كما أنّه يعبّر عن تحوّلاتٍ جوهريّة في الاقتصاد العالَميّ تحت تأثير التطوُّر الهائل في عالَم التكنولوجيا فائقة الدقّة والإلكترونيّات والاتّصالات، والذكاء الاصطناعيّ ودوره المتنامي في مختلف مناحي الحياة، وكذلك التحوّلات في المناخ والديموغرافيا، مع ما يَحمله هذا كلّه من اختراقاتٍ اقتصاديّة، وما تنطوي عليه من مخاطر جيوسياسيّة.
من الصعب التنبّؤ بالمستقبل، ولكن لا بدّ من المحاولة. فثمّة عاملان رئيسان يُحدّدان اليوم سيناريوهات التنبّؤات بشأن الاقتصاد العالَمي، وكذلك اقتصاد كلّ بلد على حدة، هُما الجيوبوليتيك والذكاء الاصطناعي. وإذا كانت الهزّات الجيوسياسيّة تُمثّل عاملاً سلبيّاً شديد الخطورة، فإنّ تطوُّر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، إذا ما استُخدم بحكمة ومسؤوليّة، يُمثّل عاملاً إيجابيّاً تُعقد عليه آمالٌ عظيمة. سنحاول في هذه المقالة تلمُّس تأثير هذَيْن العامليْن الرئيسَيْن على الأوضاع العالَميّة وإلقاء الضوء على تزاوُج الاقتصاد والجيوبوليتيك في ما يُعرف ﺑ "الجيواقتصاد".
طبيعة التقلّبات الجيوبوليتيكيّة
على غرار الدورات الاقتصاديّة، التي تتوالى فيها المراحل من الانتعاش إلى النهوض، إلى الذروة ومن بعدها الركود والانكماش ومن ثمّ الكساد الذي هو عبارة عن انكماشٍ عميق وطويل الأمد يقود إلى انهياراتٍ شاملة في الاقتصاد، فتنفجّر الأزمة، يليها مخاض ينجم عنه انتعاش.. لتعود وتبدأ الدورة من جديد؛ على غرار هذه الدورات الاقتصاديّة، ثمّة دورات جيوبوليتيكيّة تتضمَّن حقباتٍ طويلةً من الانفراج الذي يولِّد التعاون والثقة بين الدول الكبرى، تعقبها حالات تراجُعٍ وتردٍّ في المناخ الجيوسياسي تتفاقم تدريجيّاً لتَصلَ إلى النّزاع والمُواجَهة، أي الانهيار (تَصل إلى الذروة على شكلِ حروبٍ إقليميّة في أغلب الأحيان، بل وحتّى عالَميّة في أحيانٍ أخرى.. والتاريخ خَير شاهد على ذلك)، تَدخل بعدها الدولُ المُتصارعة، وقد أنهكتها المواجهة، مرحلة الانفراج في العلاقات الدوليّةـ.. لتعود وتبدأ الدورة من جديد.
يَعيش العالَمُ اليوم في المراحل الأخيرة من حقبة التراجُع والتردّي الجيوسياسي المُنذرة بالتحوُّل إلى نزاعاتٍ خطيرة. تتميّز هذه الحقبة بانخفاضِ مستوى التعاوُن وتردّي الثقة بين اللّاعبين الكبار على الحلبة الدوليّة (الولايات المتّحدة، الصين، روسيا، أوروبا)، واندلاع نزاعاتٍ مسلّحة (بالواسطة) وتجاريّة بينهم، وعقوباتٍ متبادلة؛ وتراجُع دَور المنظّمات الدوليّة (الأُمم المتّحدة ومتفرّعاتها) إلى حدّ العجز التامّ في أغلب الأحيان. في هذه الظروف فقدتِ القوانينُ والأعرافُ الدوليّة دورَها إلى حدٍّ كبير، من دون أن تتشكّل بدائل منها حتّى الآن.
في المجال الاقتصادي يكون التراجع عادةً عبارة عن حالاتِ ركودٍ قصيرة الأمد في النّاتج المحلّي الإجمالي (GDP) تتفاقم في حال الفشل في معالجتها وصولاً إلى انفجار الأزمة، تليها مرحلة نهوض أو انتعاش، ثمّ تتوالى المراحل التي أشرنا إليها. وعموماً، يُمكن التنبّوء بمراحل الدورات الاقتصاديّة. أمّا في المجال الجيوسياسي، فإنّ التراجُع والتردّي هو عبارة عن حقبة طويلة، قد تَستغرق عقوداً من الزمن، من تآكلِ النّظام المُعتاد المتوافَق عليه بين الدول الكبرى. الخروج منها يكون عادةً أصعب من الخروج من الركود الاقتصادي، ويستحيل التنبّؤ بنهاياتها.
في المجال الاقتصادي، من المهمّ في الدرجة الأولى الحيلولة دون تحوُّل الركود إلى انكماشٍ يؤدّي إلى أزمة وكساد (Depression). أمّا في المجال الجيوسياسي، فإنّ الانتقال من حالة التراجع إلى حالة "الكساد" (نستخدم هنا المصطلح الاقتصادي) والذي يعني الانهيار، يُفضي إلى الحرب حتماً، وإن بأشكالٍ مُختلفة. ومن المعروف أنّ الحروب ذات الأبعاد الجيوبوليتيكيّة تؤدّي عادةً إلى إعادة تشكيل العالَم، إلى ولادة نظامٍ عالَميّ جديد على أنقاض السابق. والعالَم اليوم على عتبةِ تحوُّلٍ جذريّ من هذا النَّوع.
دَور الذكاء الاصطناعيّ
يمكن أن يصبح الذكاءُ الاصطناعي، في حال سوء استخدامه، عاملاً محفّزاً ﻟ"الكساد" الجيوبوليتيكي، أي الانهيار في العلاقات الدوليّة. وفي الواقع، يمكن أن يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى "سلاح" القرن الحادي والعشرين "النووي". إذ يُمكن أن يُستخدم في الهجمات السيبرانيّة وحملات التضليل وتزييف الحقائق واختلاق "أحداث وأفعال" لم تَحصل، وفي شلّ قدراتٍ عسكريّة هائلة لجيوشٍ جرّارة، وفي توليفِ سمومٍ بيولوجيّة...إلخ. وعلى خلاف السلاح النووي، يستحيل فرْض رقابة على "انتشار" الذكاء الاصطناعي. والذكاء الاصطناعي يُبدّل شكلَ الحروب ويُغيّر أساليبها والأدوات المستخدمة فيها، فيتراجَع دَورُ وفعاليّة الأسلحة التقليديّة، مهما بلغت درجة تطوّرها، ويَمنح الغَلَبَة لمَن يَمتلك ناصيَتَهُ.
يتطلّب الخروجُ من "الكساد" الجيوبوليتيكي إرادةً سياسيّة جبّارة وإجراءَ تغييراتٍ مؤسّساتيّة جديدة. والمثال على ذلك، أزمة الكاريبي في العام 1962، عندما وقفَ العالَمُ على شفير حرب نوويّة لا تُبقي ولا تَذَرُ، ما أَرغم الجبّارَيْن النوويَّيْن آنذاك، الولايات المتّحدة والاتّحاد السوفياتي، على اجتراح تنازلاتٍ مُتبادلة كانت كفيلة بإنقاذ العالَم من الكارثة النوويّة. واقتراب الكارثة اليوم يُمكن أن يَدفعَ كلّاً من الولايات المتّحدة والصين، وكذلك الولايات المتّحدة وإيران للجلوس إلى طاولة المفاوضات. والأمر نفسه يَنبغي أن يدفعَ أوروبا وروسيا إلى إيجاد مخرجٍ من الأزمة الأوكرانيّة القاتلة، قَبل أن تتحوّل إلى "كساد" جيوبوليتكي مع كلّ عواقبه المُدمِّرة.
الجيواقتصاد – ترابط الاقتصاد والجيوبولوتيك
من جهةٍ أخرى، لا يُمكن تناوُل التقلّبات الجيوبوليتيكيّة من دون التمعّن بالجوانب الاقتصاديّة للصراعات وخلفيّاتها، ودوافع القرارات بشأنها وارتباطها بالمصالح الجيوسياسيّة للدول. هذا الترابُط بين الجيوبوليتيك والاقتصاد يدفعنا للحديث عمّا يسمّى "الجيو اقتصاد" (Geoeconomics)، الذي يعني تداخل المصالح الاقتصاديّة مع الأهداف الجيوسياسيّة للدول.
إنّ القوّة الاقتصاديّة الحقيقيّة لأيّ دولة تتحدّد في ما يُمكن أن تحقّقه من منافع من خلال التجارة والتعامل الاقتصادي مع البلدان الأخرى، وذلك استناداً إلى قدراتها الذاتيّة وتوظيف كامل طاقاتها ومواردها في سبيل تحقيق هذا الهدف. ويتيح "مؤشّر المنفعة التجاريّة" (Trade Benefit Ratio, TBR) الجديد، الذي صاغه علماء الاقتصاد السويسريّون هانس غيرباخ وبول مونوار وكيران وولش في دراسةٍ نُشرت مؤخّراً تحت عنوان "القيم الاقتصاديّة التي تخلقها دولةٌ ما للدول الأخرى، مقارنةً بمنافِعها الذاتيّة" على موقع CEPR.org/VoxEU، وضع صورة شاملة للنفوذ الجيو اقتصادي الذي يتحقّق من خلال العلاقات التجاريّة.
مع أنّ العولمة رفعت مستوى الإنتاجيّة والمداخيل في مختلف أنحاء العالَم، إلّا أنّ سلاسل الإنتاج العولميّة المترابطة أدّت إلى ظهور مخاطر جديدة على الاقتصاد. فقد تضاعفت أهميّة "الجيو اقتصاد"، والتي تَعني لجوء بلد معيّن لاستخدام قوّته الاقتصاديّة للتأثير على الدول الأخرى المشاركة في العلاقات الدوليّة، من أجل تحقيق أهدافه الجيوسياسيّة والاقتصاديّة على حساب تلك الدول، حتّى الصديقة والحليفة منها. ويتلخّص جوهر مفهوم "الجيو اقتصاد" ونظريّة القدرة الاقتصاديّة على النحو التالي: ما الذي يُمكن أن يحصل في حال مقارنة الخسارة التي يمكن أن يُلحقَها بلدٌ معيَّن ببلدٍ آخر في حال اتّخاذ قراراتٍ اقتصاديّة مُقترنة بعقوباتٍ ضدّ المُنافِس أو المُنافِسين مع التلويح بالهراوة العسكريّة أحياناً، بالتكلفة التي يُمكن أن يتكّبدها البلدُ نفسُه جرّاء ذلك؟ يُستنتج من هذه المُقارَنة أنّ البلدَ الذي يتمكّن من إلحاق ضررٍ ببلدٍ آخر أكبر من الخسائر التي يتكبّدها هو، يَحصل على إمكانيّة فريدة لإملاء شروطه وفرْض تنازلاتٍ على البلد الآخر بوساطة السياسة الاقتصاديّة وأدواتها المعزَّزة بالنفوذ على المستوى الدوليّ.
وقد تضاعفت أهميّة "الجيو اقتصاد" بصورةٍ خاصّة، وعلى نحوٍ فجّ، بَعد وصول الرئيس دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في الولايات المتّحدة. فغدتِ التهديداتُ بفرْض الرسوم الجمركيّة العالية ورفْعِها إلى مستوياتٍ غير مسبوقة أداةً مُعتادة من أدوات المُمارَسة الجيوسياسيّة، مُرفَقة بعقوباتٍ اقتصاديّة وماليّة قاسية على بلدانٍ معيّنة، مع تهديداتٍ مكشوفة باستخدام القوّة العسكريّة إذا اقتضتِ الحاجة. الأمر الذي ينذر بدخول العالَم "حرباً باردة" اقتصاديّة بين الكتلة الغربيّة من جهة، وغالبيّة بلدان العالَم الأخرى من جهةٍ ثانية، وطَيّ صفحة "العوْلمة" بصورةٍ شبه نهائيّة، فيَدخل العالَمُ في ما سمّيناه "الكساد" الجيوبوليتيكي، المُنذِر بالانفجار.
هذا الواقع المستجدّ أحيا في الأوساط الأكاديميّة الاهتمامَ بمفهوم "الجيو اقتصاد"، والسعي، بواسطة النظريّة الاقتصاديّة والإحصاءات التجاريّة ومُعايَنة طبيعة العلاقات التجاريّة بين الدول، إلى تلمُّس منابع القوّة الجيوبوليتيكيّة وأبعادها وعواقب استخدامها وتقييمها كسلاحٍ في المُنافَسة الاقتصاديّة والجيوسياسيّة مع الدول الأخرى.
يُمكن في العلاقات التجاريّة بين الدول رصْد الاتّجاهات التالية التي تُقدِّم صورةً عن القوّة الاقتصاديّة لكلّ بلد في منظومة العلاقات الاقتصاديّة الدولية.
= التنوّع الواسع في العلاقات التجاريّة
فثمّة دول تَملك دائرةً واسعة من العلاقات التجاريّة. فالولايات المتّحدة الأميركيّة والصين وألمانيا، على سبيل المثال، تَرتبط بعلاقاتٍ تجاريّة واسعة متنوّعة ومتشعّبة مع عددٍ كبيرٍ جدّاً من البلدان. هذا التنوُّع يَمنح تلك الدول منافع جمّة تُوفِّر لها قدراتٍ اقتصاديّةً مُهيْمِنة تَستخدمها في التأثير على الدول الأخرى المُشارِكة في العلاقات الدوليّة وفرْض إرادتها عليها.
= التخصُّص في العلاقات التجاريّة
ثمّة بلدان كروسيا وكندا والمَملكة العربيّة السعوديّة والنروج وأستراليا، تَمتلك ثرواتٍ طبيعيّة بكميّاتٍ كبيرة، توفِّر لها أيضاً منافع كبيرة من التجارة مع الدول الأخرى، وتَمنحها دَوراً لا بديل منه في استقرار سلاسل الإمداد وفي الاقتصاد العالَميّ عموماً.
= تركّز (Concentration) العلاقات التجاريّة
فلدى بعض البلدان علاقات تجاريّة مركّزة، أي متمحْورة على عددٍ محدود من البلدان، وتراجُع قدراتها التجاريّة لسببٍ من الأسباب يَنعكس سلباً على هذا العدد المحدود من البلدان المُتعاملة معها. من بين هذه البلدان بريطانيا والمكسيك والدانمارك وبعض بلدان جنوب شرق آسيا. بوسع هذه البلدان مُمارَسة ضغوطٍ اقتصاديّة على شركائها التجاريّين بالاستفادة من علاقتها هذه.
تسعى هذه الدول، وبنِسبٍ مُتفاوتة، إلى توظيف قدراتها الاقتصاديّة ومنافعها المُستمَدّة منها في تعزيز مواقعها الجيوسياسيّة ودَورها في الاقتصاد العالمي وفي السياسة الدوليّة.
من أجل تفادي الإملاءات أو إضعافها ينبغي فهْم حجْم القدرة الاقتصاديّة ومصادر هذه القدرة. وهنا يُطرَح التساؤل: كيف تُقاس المقدرة على الإملاء، وكذلك الضعف إزاءها وكيفيّة مواجهتها؟ في هذه الحال تسعى الدول الكبرى، أو الدولة التي ترى نفسها الدولة العظمى والقطب الأوحد في العالَم، إلى استخدام "عضلاتها" الاقتصاديّة ونفوذها السياسي وقدراتها العسكريّة في العديد من الأحيان، ولإملاء إرادتها على الدول الأخرى. وهذا ما نراه في تصرّفات الولايات المتّحدة وسياساتها على الساحة الدوليّة اليوم.
استناداً إلى ما تقدَّم يَطرح العديدُ من المحلّلين اليوم فرضيّةً مفادها أنّ الحرب العالَميّة الثالثة قد بدأت، وأنّنا نعيش مرحلتها الأولى اليوم، وأنّ "لعنة" الجيوبوليتيك قَدَرٌ لا يُردّ. ولَسوفَ تتأكّد صحّة هذه الفرضيّة من عدمها في المستقبل القريب. ويتلخّص مغزى الحرب العالميّة الثالثة في التبدُّل الجذري في مجمل بُنيان (هندسة) السياسة العالميّة.
فالمؤسّسات الدوليّة القائمة اليوم لم تَعُد منذ زمنٍ بعيد تتلاءم مع الواقع الرّاهن. فهي لا تزال تَعمل وفقاً لمنطق "أنموذج وستفاليا" والعالَم الثنائي القطبيّة. وقد بُني هذا الأنموذج على الاعتراف بسيادة جميع الدول المُعترَف بها دوليّاً. علماً أنّ منظّمة الأُمم المتّحدة نفسها بُنيت على هذا الأساس. ولكن في المُمارَسة تحوَّل مبدأ السيادة إلى نِفاقٍ بحت.
*باحث لبناني في الشؤون الاقتصاديّة والجيوسياسيّة
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.