هنا يبدأ السؤال الأعمق: لماذا «الحداثة البدوية» في هذا الجزء من العالم لها وجهان/حدان؟ فواحد يمنحنا مثلاً «الدكتور سعد الصويان، الدكتورة غادة المطيري» كوجه لوغوسي/ علمي يعيش بوعي حركة التاريخ، والوجه الآخر/الحدّ الآخر يدفع لنا «بأبي مصعب الزرقاوي، جهيمان العتيبي» كوجه ميثوسي/أسطوري ضالٍ عن حركة التاريخ، وجذرهما واحد، «الحداثة البدوية» بوجهيها/حديها، اللوغوسي والميثوسي.

لماذا الحداثة في أصوليتها وتطرفها أشد من تطرف بعض معتنقي الأديان قبل الحداثة، مع اعتراف الحداثة الغربية بأن «البدائية» تحمل بداخلها إمكانها التواصلي الأقل توحشاً منها، والأرقى وفق ظرفها التاريخي؟ (للاستزادة راجع: البدائية لأشلي مونتاغيو).

ولهذا بدأت الحداثة تتبرأ من عيوبها من خلال تطوير ميزاتها عبر ما سمته «ما بعد الحداثة» كجلدٍ للذات «الإمبريالية/الكولونيالية» التي جعلتها حتى هذه اللحظة تحوي في بعض مكتباتها ومتاحفها آثاراً وكنوزاً تخص غيرها من دول العالم، ولا ترى ضرورة تسليمها وإعادتها لأصحابها باعتبارها مالكة التاريخ الإنساني، في صورة تجسد الشوفينية الحضارية.


وهنا نتساءل عن هذا الإرث التاريخي البشري المشترك في الصراع الطائفي تحت مبرر ديني، الذي عاشته أوروبا وخرجت منه، لماذا دخله بعض أهل الإسلام في العصر الحديث، ولم تدخله الديانات الأخرى بشكل بارز؟

السبب هو أن هذه المنطقة، «الشرق الأوسط»، حاضنة الديانات وواسطة العقد في الحضارات الإنسانية ما بين شرق وغرب، وعلى مستوى الإحصاءات الاجتماعية، فإن الطبيعة العمرية لهذه المنطقة تؤكّد أن مزاجها «مراهق نسبة إلى الفئة الاجتماعية الأعلى فيها»، مع ما في المراهقة وعنفوان الشباب من ترافع عن الأنا الهووية/الهوية الحضارية حتى ولو لبست البرقع داخل أوروبا. أو طعنت سلمان رشدي في سبيل فتوى، إنها المنطقة الرخوة في النضج جيونالوجياً، كمزيج جينالوجي/جيولوجي، حيث ملتقى الصفائح التكتونية للحضارات الشرقية والغربية.

ولهذا، فإن ضغط الحداثة التكتوني بين شرق وغرب، منح هذه المنطقة عبر الصراع الطائفي عدسة محدبة زلزالها يلغي كل ما له طابع تاريخي متجاهلين ما تؤكده كتب الفقه من تغير الحكم بتغير (الزمان، المكان، الأحوال، العادات، النيات والمقاصد...) كل هذا لا يهم العقل الطائفي مقابل ترافعٍ عن الذات يمزج اللوغوس في أجهزتها ومعداتها وأسلحتها، والميثوس في طريقة تفكيرها وأهدافها.

وهنا أنقل من كتاب «الحداثة البدوية» فأقول: إنني أقف ضدّ الصورة النمطية التي شربناها كقرار يقرره الفرنجة باعتبار البداوة عِرقاً وإن لم يقولوا ذلك، لكن كثيراً منَّا فهمه كذلك، أليست المكينة الاستعمارية بآلتها السينمائية قد صنعت ذلك واستجبنا لها فعلاً؟! فقرّرنا على أنفسنا حالة تجاوزناها نظرياً منذ بداية الدولة الوطنية في العالم العربي، ولن نحمل راية المظلومية، بل هي تصورات تجعلنا نرى أحياناً تاريخ رعاة البقر في أمريكا وهم يقاتلون ويتآمرون على بعضهم وعلى السكان الأصليين من الهنود الحمر في سبيل الكلأ والماء والماشية، وكأنهم يشبهون بعض أجدادنا مع فارق بنيوي له طعم الحديد في أفواههم الرأسمالية، والإقطاعية في أفواهنا البدوية.

لقد كنَّا بدواً بالفعل، وكان عيبنا الوحيد مع العثمانيين- لبضعة قرون– ثم تلاهم الغربيون- لبضعة عقود- أننا كنا طيبين وبريئين أكثر من اللازم، ولا نزال على ذلك ما دمنا نؤمن بمصير البداوة فينا باعتبارها عِرقاً وليست حالة عاشها الكاوبوي/راعي البقر الأمريكي في صحراء نيفادا، كما عاشها راعي الإبل في صحراء النفود. فالكاوبوي الأمريكي هو خلاصة الروح البدوية الأوروبية المغامرة في الترحال، التي تشبه تماماً ما ينسب لأحد المفكرين العرب من أبناء المغرب عندما قال بما معناه: «أنا أقوى منكم يا عرب المشرق لأني سليل أقوى فرسان جزيرة العرب القادرين على الترحال بشجاعة فاتحاً وغازياً إلى أقصى شمال إفريقيا، وقوفاً بفرسه على بحر الظلمات/المحيط الأطلسي».

ويبقى اليهود سادة البداوة والشتات منذ التيه في الصحراء أيام موسى وحتى يومنا هذا، أحببت الأمازيغي والفارسي كما أحببت الكردي والأرمني.. كما أحببت الطوارق في صحرائهم، أحببتهم جميعاً بكل بساطة، لأني لم أرَ فيهم الآخر، بل رأيت فيهم نفسي البدوية وتاريخ أسلافي، حتى في عيوبنا نتشابه، لكننا نحاول أن نختلف كالأطفال عن بعضنا كي نشعر بنا، كالإخوة ينتمون لأب واحد وأم واحدة، ولكن نزعة هابيل وقابيل تغلب وتنتصر عند أول قربان، لتبقى الأسطورة/الميثوس أعلى يداً من العقل/اللوغوس إلى يومنا هذا.