هذا السؤال أزعم أنه ليس ترفًا وليس ضد تعلم لغات العالم، بل ضرورة وطنية، لأن الهوية تتحدد قبل سؤال الأداء؛ فاللغة ليست مجرد أداة، بل مرآة تعكس صورة الوطن أمام العالم، ووعاء يحمل المعرفة ويصون الذاكرة.
لقد لاحظتُ، بوصفـي متابعًا وحاضرًا لعدد كبير من الفعاليات في طيف واسع من التخصصات، أنّ ظاهرة لافتة تتكرّر في المؤتمرات المحلية: كثير من المتحدثين السعوديين يميلون إلى استخدام اللغة الإنجليزية حتى في سياقات لا تتطلّب ذلك، غير أنّ ما يثير الانتباه حقًا ليس مجرّد اختيار اللغة، بل الطريقة التي تُستخدم بها؛ إذ يقدّم بعضهم خطابًا إنجليزيًا لا يستقيم في مخارج الحروف ولا في البنية اللغوية، فيبدو الكلام معلّقًا بين لغتين لا تنتميان إليه تمام الانتماء.
وهنا لا نقف أمام مسألة أداءٍ لغوي فحسب، بل أمام سؤالٍ أعمق يتعلّق بتمثيل الهوية ذاتها: هل اللغة التي نختارها على المنصّة مجرّد أداة للتواصل، أم إنها إعلانٌ ضمنيّ عن موقعنا في العالم؟ وهل يصبح التحدّث بلغةٍ لا تنتمي لنا محاولة لارتداء هويةٍ ليست لنا، أو استعارة لرمزيةٍ نعتقد أنها تمنحنا وجاهة معرفية؟
ومن وجهة نظري، إنّ هذه الظاهرة تكشف عن توتّرٍ خفيّ بين الرغبة في الظهور بمظهر عالميّ، والحاجة إلى خطابٍ أصيلٍ ينطلق من جذورنا الثقافية. فاللغة ليست مجرد أصوات تُنطق، بل هي حامل للوعي، ومرآة للذات، وفضاء تتشكّل فيه علاقتنا بالمعرفة وبالآخرين. وحين تُستخدم الإنجليزية استخدامًا هشًّا في سياقٍ محليّ، فإن ذلك لا يضعف الرسالة فحسب، بل يربك صورة الهوية التي يسعى المتحدث إلى تقديمها.
فالمؤتمرات وورش العمل، ليس منصة لعرض أوراق علمية فقط، بل فضاءٌ عام يعكس صورة الدولة المضيفة، ويُفترض أن يكون امتدادًا لسياساتها الثقافية التي رفعت اللغة العربية إلى مستوى الرمز الوطني، وأسست لها هيئات ومبادرات، وجعلتها جزءًا من مشروع النهضة السعودية الحديثة.
هنا تتجلى صورة احترام لغتنا اللغة العربية في المؤتمرات... سؤال الهوية قبل سؤال الأداء؛ إذ إن الحديث بلغة أجنبية داخل الوطن يوحي– ولو دون قصد– بأن العربية أقل قدرة على حمل المعرفة الحديثة، أو أنها غير ملائمة للخطاب العلمي. وهذه رسالة خطيرة، لأنها تمسّ الثقة بالذات الحضارية، وتناقض توجهات الدولة في تعزيز حضور العربية في كل المجالات. كما أن الخطاب بالإنجليزية لا يضيف قيمة علمية، بل يضعف جودة الطرح في بعض الأحيان، ويجعل المتحدث في موقعٍ أقل مهنية مما لو تحدث بلغته الأم.
في هذا السياق المهم، يبرز سؤالٌ آخر لا يقل أهمية: العالم يتحدث بلغته... فلماذا نتخلى عن لغتنا؟ ففي المؤتمرات العلمية والقانونية التي حضرتها في بريطانيا وأمريكا وغيرهما من دول العالم جنوبا وشمالا وغربا وشرقا، كنت أبدأ حديثي للحاضرين بالإنجليزية قائلاً: "أحب ان أبلغ الحاضرين الأفاضل أنني أتحدث اللغة الإنجليزية أفضل من الناطقين بها، لكنني سأتحدث بلغتي الأم: اللغة العربية الأم لغة القرآن الكريم"، وكان ذلك يثير إعجاب الحضور واحترامهم، لأن العالم يحترم من يحترم لغته.
حقيقة لم أرَ عالمًا فذًا في أي تخصص حول العالم يتخلى عن لغته الأم في بلده أو في مؤتمراته الوطنية؛ فالفرنسي يتحدث الفرنسية، والألماني بالألمانية، والصيني بالصينية، والياباني باليابانية والأفغاني يتحدث بلغته، وهذا ليس تعصبًا، بل إدراكًا أن اللغة ليست أداة، بل هوية وسيادة وعمقا حضاريا.
ومع تطور التقنية، لم يعد استخدام الإنجليزية ضرورة تواصلية؛ فاليوم أصبحت وسائل الترجمة الفورية متاحة في كل مكان، ويمكن ترجمة أي خطاب إلى عشرات اللغات في لحظات.
وبالتالي، فإن الإصرار على الإنجليزية لم يعد مبررًا، بل أصبح عادة غير منسجمة مع مكانة العربية ولا مع سياسات الدولة الثقافية. وهنا يبرز محور مهم: التقنية لم تعد عذرًا... الترجمة الفورية في كل مكان؛ فالعالم تجاوز حاجز اللغة، ولم يعد هناك ما يبرر التخلي عن اللسان الأم في وطنه، وأزيد على ذلك أن الأمم المتحدة اعتمدت منذ زمن بعيد جدا وبجهود كبرى من حكومة بلادنا الغالية اللغة العربية كلغة معتمدة في جميع المحافل الدولية.
من هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحّة إلى توجيه رسمي أعلى من القيادة لدينا- وفقها الله- يفرض استخدام العربية في جميع المؤتمرات والندوات وورش العمل داخل المملكة، وفي كل التخصصات دون استثناء.
هذا التوجيه الإلزامي ليس تضييقًا على العلم، بل حماية للهوية، وتعزيزا لانسجام الخطاب الوطني مع سياسات الدولة، وضمانا لحضور العربية في الفضاءات العلمية والمهنية. فالعربية يجب أن تكون اللغة الأولى في وطنها، بينما تكون اللغات الأخرى أدوات مساندة تُستخدم عند الحاجة، لا لغات بديلة تُقصي اللسان الأم.
في نهاية هذا المقال، تتضح لي الحقيقة الكبرى: العربية ليست خيارًا... بل مسؤولية وطنية. الدفاع عنها في المؤتمرات ليس دفاعًا عن الماضي، بل عن المستقبل؛ عن قدرة هذه اللغة العظيمة على حمل المعرفة الحديثة، وعن حقها في أن تكون لغة العلم والعالم كما كانت لقرون، وهو دفاع عن صورة المملكة العربية السعودية أمام العالم، وعن انسجام خطابها الثقافي مع مشروعها الوطني.
وصفوة القول، إن إعادة اللغة العربية إلى منصة الخطاب في المؤتمرات السعودية ليست مطلبًا لغويًا فحسب، بل مطلبًا سياديًا وثقافيًا يعيد ترتيب العلاقة بين الهوية والمعرفة، ويضع بلادنا الغالية في موقعها الطبيعي كدولةٍ عربيةٍ رائدةٍ تحترم لغتها وتفرض حضورها، كون العالم يحترم من يحترم لغته، فإن الوقت قد حان ليكون صوت المؤتمرات السعودية عربيًا خالصًا، يحمل روح هذا الوطن، ويعكس مكانته، ويؤكد أن العربية ليست لغة الماضي، بل لغة المستقبل.