ويأتي هذا الاتجاه في سوق عمل يشهد توسعًا في المشاريع الكبرى وتغيرًا متسارعًا في المهارات المطلوبة، مما يجعل بعض المنشآت أمام معادلة مزدوجة من خلال الاستفادة من خبرات قيادية جاهزة، وفي الوقت نفسه ضمان انتقال المعرفة إلى الكفاءات الأصغر سنًا.
خبرة لا وظيفة دائمة
ولا تعني عودة المتقاعد بالضرورة عودته إلى الوظيفة التقليدية نفسها؛ إذ يمكن أن تتم الاستفادة منه في مهمة محددة، أو مشروع، أو دور استشاري، أو لفترة انتقالية، بحسب احتياج المنشأة وطبيعة العقد.
ويبرز هذا النموذج بصورة أكبر في التخصصات التي تعتمد على الخبرة المتراكمة، مثل الطاقة والطيران والطب وإدارة المشاريع والمنشآت الكبرى والأمن السيبراني والصناعات الدفاعية، حيث قد تكون المعرفة المتخصصة المتراكمة أكثر أهمية من شغل وظيفة دائمة.
ويتيح التعاقد المحدد المدة للمنشأة الحصول على الخبرة المطلوبة دون الالتزام ببناء منصب دائم، بينما يمنح المتقاعد فرصة للاستمرار في النشاط المهني وتحويل خبرته إلى قيمة اقتصادية جديدة.
فجوة الخبرة
ويرى المهندس عبدالله المقهوي أن الاستعانة بالمتقاعدين يمكن أن تكون ممارسة فاعلة في إدارة الموارد البشرية متى ارتبطت باحتياج واضح، وحددت المهمة والمدة ومؤشرات الأداء، ولم تتحول إلى بديل دائم عن بناء القيادات الجديدة.
وتزداد أهمية هذا النموذج مع توسع المشاريع النوعية، إذ يمكن للخبرة المتراكمة أن تختصر وقت التعلم، وتساعد في معالجة المشكلات المعقدة، وتدعم اتخاذ القرار خلال المراحل الحساسة من المشاريع.
مكسب مزدوج
ولا تقتصر الفائدة على المنشأة؛ فاستمرار المتقاعد في العمل يتيح له مصدر دخل إضافيًا ويحافظ على مشاركته في النشاط الاقتصادي، في حين تستفيد المنشأة من خبرة جاهزة دون الحاجة إلى فترة طويلة لبناء الخبرة من الداخل.
لكن الاستفادة من هذه الخبرات تحمل في المقابل تحديًا يتعلق بتجدد سوق العمل. فالإفراط في تمديد الأدوار القيادية للمتقاعدين قد يؤخر فرص التدرج أمام الكفاءات الشابة، أو يحول الخبرة من أداة لنقل المعرفة إلى بديل عن الإحلال وبناء الصف الثاني.
العقد يحسم الوضع التأميني
ولا يمكن افتراض أن كل متقاعد يعمل بصفة «مستشار» يكون خارج نظام التأمينات الاجتماعية؛ فالمعيار يرتبط بطبيعة العلاقة ومدى خضوع العمل للنظام.
وتوضح التأمينات الاجتماعية أن المتقاعد الذي يعود إلى عمل خاضع للنظام بعد بلوغ 65 عامًا لا يخضع لفرع المعاشات عن مدة العمل الجديدة، بينما يخضع لفرع الأخطار المهنية، مع استمرار صرف معاشه. أما إذا كان العمل غير خاضع للنظام، فيستمر المعاش كذلك. وتختلف المعاملة لمن هم دون 65 عامًا بحسب حالتهم ومدد اشتراكهم.
كما أن نظام التأمينات الاجتماعية الجديد، الساري منذ 3 يوليو 2024، حدد سنًا نظامية للتقاعد تبلغ 65 سنة ميلادية بالنسبة للمشمولين بالنظام الجديد من الملتحقين بسوق العمل الذين لا يملكون مدد اشتراك سابقة.