وما نصفه هنا بـ«المراوغة الوظيفية» هو نمط من السلوك قد يصفه البعض بـ«الخبث الوظيفي»، غير أن مفهوم المراوغة أكثر ملاءمة في السياق الإداري؛ لأنه يركز على السلوك ونتائجه بدلًا من الحكم على شخصية الموظف أو نواياه. ففهم بيئة العمل، وقراءة المتغيرات، وإدراك المصالح، وبناء العلاقات المهنية، والقدرة على التكيف، كلها مهارات يحتاج إليها الموظف الناجح. وتبدأ المشكلة عندما تتحول هذه المهارات من أدوات للتعاون وتحقيق الأهداف إلى وسائل للتلاعب بالمعلومات، أو إدارة الصورة الشخصية، أو الالتفاف على الإجراءات، أو تحقيق مكاسب فردية على حساب الفريق والمؤسسة.
من منظور السلوك التنظيمي، لا يمكن تفسير هذه الممارسات بالعوامل الفردية وحدها؛ فالسلوك داخل المؤسسة يتأثر بالهيكل التنظيمي، ونمط الإدارة، والثقافة السائدة، ونظم الحوافز، وآليات التقييم، ووضوح الأدوار، ومستوى المساءلة. فالموظف لا يعمل بمعزل عن بيئته، وإنما يتفاعل معها ويتأثر بما تكافئه المؤسسة وما تتسامح معه، وبالسلوك الذي يقود فعليًا إلى التقدير والترقية.
ومن هنا تظهر أهمية وضوح الدور في علم الإدارة؛ فكلما كانت المسؤوليات والصلاحيات محددة، قلت المساحات التي يمكن أن تتداخل فيها الأدوار أو تضيع فيها المسؤولية. أما حين يسود الغموض، فقد يصبح من السهل نسب النجاح إلى الذات وإلقاء الإخفاق على الآخرين. كذلك يتحول احتكار المعلومة إلى مصدر للنفوذ عندما تكون قنوات الاتصال ضعيفة، ويزداد تأثير العلاقات الشخصية عندما تكون معايير الأداء والترقية غير واضحة. ولهذا فإن البيئة التنظيمية نفسها قد تكون عاملًا حاسمًا في الحد من المراوغة أو منحها مساحة للنمو والاستمرار.
وغالبًا لا تبدأ هذه الظاهرة بصورة واضحة، وإنما من ممارسات صغيرة تتراكم مع الوقت؛ معلومة تتأخر عمن يحتاجها، أو إنجاز لا يُنسب بوضوح إلى صاحبه، أو مسؤولية لا تتحدد إلا بعد وقوع المشكلة، أو قرار غير موثق يقبل أكثر من تفسير، أو خلاف مهني يتحول إلى اصطفافات شخصية. وحين تتكرر هذه الممارسات دون معالجة، فإنها تنتقل تدريجيًا من مستوى السلوك الفردي إلى مستوى الثقافة التنظيمية، وتصبح جزءًا من الطريقة المعتادة لإنجاز الأمور داخل المؤسسة.
والثقافة التنظيمية لا تتشكل من اللوائح والقيم المعلنة وحدها، بل من الممارسات اليومية وما تكافئه الإدارة أو تتغاضى عنه. فإذا رأى الموظفون أن إدارة الانطباعات تحقق فرصًا أكبر من جودة الأداء، أو أن العلاقات تستطيع تجاوز المعايير، أو أن الاعتراف بالخطأ أكثر كلفة من إخفائه، فإنهم يتعلمون ضمنيًا أن حماية الذات أكثر أمانًا من الصراحة، وأن إدارة النفوذ قد تكون أكثر فائدة من تحمل المسؤولية.
هنا تظهر العدالة التنظيمية بوصفها أحد المفاهيم المهمة في علم الإدارة؛ فالعدالة لا تقتصر على المكافآت والترقيات، بل تشمل عدالة الإجراءات التي تتخذ بها القرارات، وعدالة المعاملة والتواصل داخل المؤسسة. وكلما شعر الموظفون بأن المعايير تطبق بصورة متسقة، وأن الإنجاز ينسب إلى صاحبه، وأن المساءلة لا تتأثر بالعلاقات الشخصية، ارتفعت الثقة بالمؤسسة وقلت الحاجة إلى البحث عن وسائل غير رسمية لحماية المصالح.
وتظهر كذلك أهمية السلامة النفسية في بيئة العمل؛ أي شعور الموظف بقدرته على طرح الأفكار، وإبداء الرأي المخالف، والإشارة إلى المشكلات، والاعتراف بالخطأ المهني دون خوف غير مبرر من الإحراج أو الاستغلال. وعندما تتراجع هذه السلامة يتسع ما يعرف بـ«الصمت التنظيمي»، فيحتفظ الموظفون بالمعلومات والآراء التي قد تحتاج إليها الإدارة؛ لأن الصمت يصبح بالنسبة إليهم أقل كلفة من الإفصاح.
هنا تصبح خسارة المؤسسة أكبر من مجرد تراجع الرضا الوظيفي؛ إذ يقل تبادل المعرفة، وتتراجع المبادرة، ويزداد السلوك الدفاعي، ويتحول جزء من طاقة الموظفين من تحسين الأداء والابتكار إلى حماية مواقعهم وإدارة علاقاتهم. ومع مرور الوقت قد تخسر المؤسسة بعض أصحاب الكفاءة، أو يصبح موظفوها أقل استعدادًا لتحمل المسؤولية، فتتحول المراوغة من تصرف فردي إلى مشكلة في البيئة التنظيمية نفسها.
من المفاهيم الإدارية المرتبطة بذلك أيضًا إدارة المعرفة؛ فالمعلومة داخل المؤسسة ينبغي ألا تتحول إلى ملكية شخصية تمنح حاملها نفوذًا على الآخرين، بل إلى مورد تنظيمي يصل إلى من يحتاج إليه وفق الصلاحيات. وكلما اعتمدت المؤسسة على الأفراد وحدهم في حفظ المعرفة أصبحت أكثر عرضة للاحتكار وتعطل العمل، بينما تسهم الإجراءات الواضحة والتوثيق ومشاركة المعرفة في تقليل الاعتماد على النفوذ الفردي وتعزيز الاستمرارية المؤسسية.
لهذا فمعالجة المراوغة الوظيفية لا ينبغي أن تقوم على تصنيف الأشخاص أو مطاردة النوايا، وإنما على بناء نظام يقلل فرص السلوك غير المهني ويزيد جدوى السلوك المسؤول. ويبدأ ذلك بوضوح الأدوار والصلاحيات، وتوثيق القرارات والإنجازات، وتحسين تدفق المعلومات، ووضع معايير واضحة وقابلة للقياس للأداء والترقية، وربط التقييم بالنتائج وبالطريقة المهنية التي تحققت بها.