الحرب، في تعريفها الكلاسيكي، صدامٌ بين قوتين منظّمتين تملك كلٌّ منهما أدوات الإيذاء والردع. أما في فلسطين فثمة دولةٌ تملك واحداً من أكثر الجيوش تسليحاً في العالم، وتحظى بغطاءٍ عسكري ودبلوماسي من القوة الأولى عالمياً، في مواجهة شعبٍ بلا دولة ولا جيشٍ نظامي ولا سيادة على أرضه ومعابره وسمائه. هذا الاختلال ليس تفصيلاً في المشهد، بل هو المشهد ذاته.
والأرقام وحدها كفيلة بفضح الكذبة. فبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، بلغ عدد الشهداء في غزة منذ أكتوبر 2023 أكثر من أربعةٍ وسبعين ألفاً، إلى جانب ما يزيد على مئةٍ وخمسةٍ وسبعين ألف جريح. وقد اعتادت إسرائيل التشكيك في هذه الأرقام، غير أن مسؤولاً في جيشها نفسه أقرّ أمام الصحفيين في يناير 2026 بأن نحو سبعين ألفاً قُتلوا في القطاع. بل إن دراسةً علمية محكّمة نُشرت في مجلة «ذا لانسيت» قدّرت عدد الوفيات العنيفة بنحو خمسةٍ وسبعين ألفاً في الفترة الممتدة حتى مطلع 2025 فقط، وخلصت إلى أن سجلات الوزارة تمثّل الحدّ الأدنى لا المبالغة. ولم يتوقف النزيف حتى بعد إعلان التهدئة، إذ سقط أكثر من ألفٍ وأربعمئة شهيد منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، فيما لا يزال ضحايا آخرون تحت الركام تعجز طواقم الإنقاذ عن الوصول إليهم.
وحين يُستعمل التجويع سلاحاً، تسقط كل ادعاءات «الحرب النظيفة». ففي أغسطس 2025 أكّد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، المدعوم أممياً، وقوع المجاعة في محافظة غزة، ووصفها بأنها من صنع الإنسان بالكامل، بعد أن دُمّر نحو ثمانية وتسعين في المئة من الأراضي الزراعية أو صار الوصول إليها متعذّراً. وهي المرة الأولى التي تُعلن فيها مجاعة رسمياً في الشرق الأوسط، ووصفها الأمين العام للأمم المتحدة بأنها كارثة من صنع البشر وإدانة أخلاقية وإخفاق للإنسانية ذاتها.
لم تعد مسألة التوصيف القانوني حكراً على الخطاب العربي. ففي سبتمبر 2025 خلصت لجنة التحقيق الأممية المستقلة، للمرة الأولى، إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، واتهمت رئيس الوزراء نتنياهو والرئيس هرتسوغ ووزير الدفاع السابق غالانت بالتحريض عليها. ووجدت اللجنة أن أربعةً من الأفعال الخمسة المنصوص عليها في اتفاقية منع الإبادة لعام 1948 قد ارتُكبت: القتل، وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي الجسيم، وفرض ظروف معيشية تستهدف التدمير، وإجراءات تحول دون الإنجاب.
وما يجري في الضفة الغربية يكشف أن المسألة لم تكن يوماً «ردّاً» على هجوم، بل مشروعٌ ممتدّ لاقتلاع الإنسان من أرضه. فمنذ مطلع 2026 هُجّر أكثر من أربعة آلاف وثلاثمئة فلسطيني، وهُدمت ألفٌ ومئةٌ وأربعٌ وستون منشأة بذريعة غياب التراخيص، ووقع أكثر من ألفٍ وستمئة هجوم للمستوطنين طالت مئتين وخمسةً وسبعين تجمّعاً فلسطينياً، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. وقد غدت اعتداءات المستوطنين هذا العام المحرّك الأول للتهجير، حتى تعرّض مئةٌ وواحدٌ وعشرون تجمّعاً للتهجير الكلي أو الجزئي منذ يناير 2023. وفي أسبوعٍ واحد من سبتمبر هجّرت عمليات الهدم مئةً وسبعةً وأربعين فلسطينياً، أي أكثر من ثلاثة أضعاف المعدل الأسبوعي، بينهم ثمانيةٌ وخمسون من بدو عناتا الجنوبية قرب منطقة مخطط E1 الاستيطاني.
هذه ليست حرباً، ليست حرباً أن تُهدم خزانات المياه وحظائر الماشية في قرى لا مقاتلين فيها، وأن يُطرد البدوي من خيمته، وأن يُجوَّع مليونا إنسان محاصرون في شريطٍ ضيق. ما يجري احتلالٌ أقرّت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري عام 2024 بعدم مشروعيته، وحصارٌ ممتدّ منذ 2007، واستيطانٌ يتمدّد على أنقاض القرى، وقتلٌ جماعي وثّقته الأمم المتحدة ومراكز البحث العلمي، بل واعترف بحجمه جيش الاحتلال ذاته.
تسمية الأشياء بأسمائها ليس ترفاً لغوياً، بل شرط أول لأي عدالة. فلا يمكن إنهاء احتلالٍ يرفض العالم أن يسمّيه احتلالاً، ولا محاسبة جرائم تُوصف بأنها «عمليات عسكرية»، ولا إنصاف شعبٍ يُقدَّم للرأي العام طرفاً مساوياً في حربٍ لم يكن يملك فيها إلا جسده.
قد تجد حرب الأنداد في أي بقعةٍ من هذا العالم، لكنك لن تجدها في فلسطين؛ فهناك قاتلٌ وقتيل، ومحتلٌّ وأرضٌ لا تزال تنتظر أصحابها.
لتكن خطواتك في الخير كمن يمشي على الرمل لا يسمع صوته لكن أثره واضح