...ثم خرج الأدب من القصر والبستان إلى الجريدة والمقهى والرواية. تغيرت الملابس، وتغيرت اللغة، ودخلت كلمات مثل النهضة والتنوير والحرية إلى المعجم. لكن شيئا واحدا لم يتغير بالسرعة نفسها: القاضي ظل جالسا في الداخل.

هيكل لم يجد حلاً روائياً لبطلته (زينب )، إلا أن تموت حزناً. وكأن الرغبة ذنب يستوجب الموت تطهيراً.

ومحفوظ في الثلاثية نظر إلى أمينة، فقدّس حبسها في البيت كدليل على فضيلتها، بينما ترك السيد أحمد عبدالجواد يخرج كل ليلة إلى عوالمه، ويعود في الصباح رجلاً محترماً.


فالرجل إذن هو الأصل، والمرأة هي الفرع الذي يجب تقليمه. ثم فجأة انفتح باب المجلس.

دخلت مي زيادة ووردة اليازجي ونازك الملائكة وانتزعن مقعداً. كان عليهن أن يدفعن ضريبة لم يدفعها رجل: أن تثبتن أنهن أديبات، وأنهن محترمات رغم أنهن يكتبن.

ثم جاءت الموجة الثانية الأخطر، في الستينيات والسبعينيات " غادة السمان ونوال السعداوي وليلى بعلبكي"، لم يكتبن عن الجسد، بل كتبن عن الجسد من الداخل. كتبن عن الرغبة كتجربة معاشة لا كلوحة تشكيلية. وهنا كشف الأدب عن وجهه السلطوي:

وصف الرجل لجسد المرأة ظل تقليداً محترماً لقرون، لكن حين وصفت المرأة جسدها هي، صودر الكتاب ومُنعت الكاتبة.

ثم جاءت الموجة الثالثة، موجة التطبيع، مع " أحلام مستغانمي وحنان الشيخ وسحر خليفة ورضوى عاشور وسعاد الخليفة "، لم تعد الكاتبة ظاهرة تستحق التوقف عند كونها امرأة، ولا استثناءً يحتاج إلى شرح؛ صار حضورها في المشهد الأدبي أمرًا طبيعيًا، وصار السؤال يتجه من وجودها إلى ما تقوله، ومن جنس الكاتب إلى قيمة الكتابة.

لكن الطريق إلى الندية لم يكن مستقيمًا تمامًا. ما زالت الكاتبة، في بعض القراءات، تُختصر في «جرأتها» أكثر مما تُقرأ في لغتها وبنائها وخيالها؛ وكأن جرأتها خبر عن حياتها، لا خيار فني داخل نصها.

لا تزال الأرقام المتعلقة بالجوائز الأدبية الكبرى تكشف حضورًا رجاليًا أوسع، فيما تواصل الدراما الشعبية، حشر المرأة في مرآتين متقابلتين: ضحية تستدعي الشفقة، وشريرة تستدعي اللعن.

غير أن شيئًا جوهريًا كان قد تغيّر: لم تعد المرأة تنتظر أن تتغير صورتها في كتابات الآخرين؛ فقد بدأت تصنع صورتها خارج القوالب التي صيغت لها طويلًا. صارت هي الكاتبة، هي الناقدة، وهي الأرشفة.

لم تعد جرة على الرف، بل نهراً يشق طريقه - وإن كانت الصخور لم تزل في مجراه.