يستمد المصطلح مشروعيته من مسماه: «الإقليمية والنقدية». الأولى تربطه بمكانه، والأخرى تزوده بمحرك ذاتي متجدد ألا وهو النقد.
هذا يجعل النقد الذاتي للعمارة من داخل المصطلح نفسه، قيمًا على العمارة ومصححًا لها. على هاتين الركيزتين الأساسيتين (الارتباط بالمكان والنقد الذاتي) تستند العمارة الإقليمية النقدية. في البحر اللجي الذي يتقاذف العمارة المعاصرة من كل جانب بتياراتها ومؤسساتها والندوات والمؤتمرات والكودات والتشريعات المنظمة لها، هل هناك ما هو أكثر إلحاحًا من انتماء العمارة لمكانها وحاجتها لأن تصلح نفسها بنفسها؟
بقي مصطلح الإقليمية النقدية يدور في فلك الكتابات عن العمارة مثله مثل أي تيار أو مدرسة معمارية أخرى. وفي عصر لا يعترف إلا بالأيقونات (star architect المعماري النجم) بقي المصطلح في الظل. وكأي مصطلح آخر في العمارة والفن يختلف فهمه وتطبيقه من مكان لآخر ومن معماري لآخر وتقييمه من ناقد لآخر. غير أن إقليميته ونقديته تجعلان من الإقليم والنقد الذاتي الركنين الأساسيين له، وإن اختلفت معاييرهما ومسمياتهما. يندرج تحت هاتين الركيزتين ما يعرف بمفهومي السياق (context) والاستدامة (sustainability) وهذان حرفيًا هما المقصودان بالإقليم والنقد. هكذا حوى المصطلح كل بناء يحقق انتماءه للمكان ويحقق مفهوم الاستدامة. وهكذا يصبح المصطلح مظلة وارفة لاستيعاب الكثير من المباني والتيارات التي تحقق هاتين الركيزتين.
ضمن التصنيف التقليدي لتيارات العمارة ومبانيها، ربما كانت الهند - قبل التقسيم وبعده - أكثر البلدان التي وجدت فيها الإقليمية النقدية ضالتها. وما إن تذكر العمارة الحديثة في الهند، إلا ويتصدر المعماري «لويس كاهن» المشهد هناك، بأعماله التي لا يمكن حصرها في هذه العجالة. هناك أيضًا مبنى السفارة البلجيكية في الهند من أعمال «ساتش جوجيرال» وهو فنان محلي وليس معماريًا نجمًا.
وأيضا المدينة الأولمبية في دلهي من أعمال «راج روال» وأعمال المعماري «تشارلز كوريا».
وفي المملكة لدينا مبنى وزارة الخارجية في الرياض، ومقر البنك الأهلي التجاري في جدة، ومسجد جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران، هذه الأعمال الثلاثة نالت جوائز معمارية مرموقة.
بالإمكان توسيع مصطلح الإقليمية النقدية ليشمل كل بناء ينتمي لمكانه، ومستدام ضمن معايير خاصة لمفهوم الاستدامة والأنسنة وغيرها من المفاهيم التي تجد طريقها للظهور بين حين وآخر. ضمن هذا الطرح ربما كانت محطات المترو في الرياض من ضمن المباني التي يمكن تصنيفها تحت هذا المصطلح، وتأتي محطة قصر الحكم في مقدمتها. محطة قصر الحكم عبارة عن مظلة تبدو بشكلها البيضاوي الإهليلجي وكأنها نيزك مشع هبط من السماء. في الداخل يتجلى مفهوم عمارة الأرض بأبهى صوره، وقد طهم بلمسات من العمارة السلمانية التي تربطه بمكانه في قلب الصحراء. محطة قصر الحكم بدءا بظلتها وانتهاء بأدق تفاصيلها هي جوهرة الرياض.
إذا كانت الإقليمية النقدية تتمتع بهاتين الركيزتين الحيويتين، فلماذا بقيت في الظل أو ربما اختفت تمامًا عن مدننا اليوم.
أحد أهم الجوانب المسؤولة عن ذلك يكمن في تعريف العمارة نفسها، على أنها لدى البعض أصبحت سلعة استهلاكية، وأنها موضة تمامًا، كما هي حال منتجات الموضة من ألبسة ومقتنيات شخصية ومجوهرات إلخ، تتأثر بقوى السوق، وهذه الأخيرة تتأثر بقوى اجتماعية واقتصادية وسياسية كثيرة. ومع ذلك إذا ما نظر للعمارة على أنها موضة، فإن الإقليمية النقدية بإمكانها أيضا أن تكون كذلك، ولكنها موضة من نوع خاص. لا تخضع لتقلبات السوق ولا لانتقاد المهنيين ولا لاختلاف أذواق الناس ورغباتهم وحاجتهم للعمارة التي هي ثابتة أصلا.
يبقى مرجعها الأول والأخير، استجابتها للمكان الذي تبنى فيه بكل أبعاده الطبيعية والثقافية، وأن تتسم بروح العصر وتنظر للمستقبل أيضًا. وهذا يجعل منها موضة من نوع خاص، صعبة المنال، ما يخرجها من دائرة الموضة والاستهلاك التي تعصف بمنتجات العمارة اليوم.
إذا ما تم استيعاب المصطلح في سياقاته الجغرافية والتاريخية والاجتماعية ضمن مفهوم أشمل وأوسع، فإن العمارة الإسلامية برمتها على مدى أكثر من ألف عام هي شكل من أشكال العمارة الإقليمية النقدية، بدءًا من قبة الصخرة بالقدس الشريف، إلى «تاج محل» أحد عجائب العالم الحديثة، ولنا في ذلك تبصر وأي تبصر.