كنت أتحدث مع أحد الأصدقاء في موضوع ما، فقلت عن أحد الأشخاص إنه «يتصرف كرجل دولة».

سألني: ما تعريفك لرجل الدولة؟

اعترفت بأن لدي تعريفًا مختلفًا بعض الشيء عن التعريفات الدارجة لمفهوم «رجل الدولة» المتعارف عليها في الحياة السياسية والأكاديمية والاجتماعية؛ كأن يكون زعيمًا سياسيًا حكيمًا، ذا خبرة، يحظى بالاحترام، ويتمتع بحضور وتأثير، إلى آخر هذه الصفات.


لكن قبل أن أشرح تعريفي، أقول إن سبب كتابة هذا المقال مختلف تمامًا عن هذه القصة، وسأذكره في نهاية المقال.

أما تعريفي الشخصي لـ«رجل الدولة»، فأراه قائمًا على ثلاث صفات رئيسة، تحت كل صفة منها مجموعة من الصفات والعناصر التي تميز رجل الدولة عن غيره. سأبدأ بالعكس، من الرقم الثالث.

ثالثًا: أن تبقى مكانته بعد مغادرته المنصب. رجل الدولة الحقيقي إذا غادر منصبه، بقيت مكانته واحترامه بين الناس.

وهذا في رأيي دليل مهم جدًا على أن المنصب ليس الذي رفعه، وإنما رفعته استقامته، وأخلاقه، وطريقة تعامله، ورقيه، وشخصيته، وأداؤه وقدرته على ترك أثر في الناس.

هناك أشخاص، بمجرد أن يغادروا المنصب، قد يصبح من الصعب على جيرانه أن يسلموا عليه! ينكمش حجمه إلى درجة أنك تكاد لا تراه حتى بالـ«ميكروسكوب»، لأن الكرسي هو الذي كان يضخّم حجمه.

ثانيًا: عندما يُعطى ملفًا أو يُرسل في مهمة، يكون له أثر ووقع، وليس مجرد تأثير: Impact. not only effect. هنا أتذكر المثل: «أرسل حكيمًا ولا توصه».

هذه الصفة تختبئ تحت عباءتها صفات كثيرة؛ فهو حكيم، ولكنه ليس مجرد متحدث جيد، ولا مجرد شخص يجيد عرض الأفكار أو تمثيل الجهة التي أرسلته، بل تنفيذي ذو أفعال ملموسة.

رجل الدولة ليس «مرسولًا»، بل شخص عندما يوكل إليه ملف، يتحول وجوده إلى قيمة مضافة. ينجز المهام أو حتى إذا لم يتمكن من تحقيق الهدف كاملًا، فإنه يعود بأثر إيجابي واضح، ويفتح أبوابًا جديدة، يترك انطباعًا جيدًا، ويصنع مساحة للحركة بدل أن يغلقها.

أولًا: أن يكون إستراتيجيًا، صاحب نظرة بعيدة المدى. رجل الدولة لا يسمح لضيق أفق من حوله حتى فريقه بأن يحدد أفقه. ينظر إلى المستقبل بينما ينشغل الآخرون في خصومات الحاضر. يقود ولا يُقاد. وبينما ينشغل فريقه بالجدل حول التفاصيل، قد يفاجئهم بالنظر إلى أبعاد أخرى خارج مجال انتباههم أصلًا. لا يعني ذلك أنه لا يهتم بالتفاصيل، إنما يعرف أين تنتهي أهمية التفاصيل وأين تبدأ مصلحة الدولة. لا ينظر للأمور بشخصنة. فتركيزه النهائي ليس على البيروقراطية، إنما على المصلحة العليا للدولة.

في الأمم هناك نوعان من المسؤولين: نوع نادر، وهم رجال الدولة. ونوع آخر هم موظفو الدولة بمختلف مراتبهم؛ موظف دولة من وزير إلى غفير.

هل نملك رجال دولة بهذه المواصفات؟ نعم. وسأضرب ثلاثة أمثلة، ليس من باب المدح، وإنما من باب الشهادة على ما أراه من سلوك وأداء خلال سنوات من المتابعة: الدكتور مساعد العيبان، والدكتور ماجد القصبي، والدكتور إبراهيم العساف.

هؤلاء، في رأيي، رجال دولة من طراز رفيع. ورجل الدولة الحقيقي تحترمه، حتى لو اختلفت معه في الرأي، أو تبنى وجهة نظر مختلفة عن وجهة نظرك. وأضرب مثالًا شخصيًا على ذلك.

كنت، في مقالات سابقة، أنتقد بعض سياسات العساف بسبب ما كنت أراه تحفظًا شديدًا في موضوع الاستثمار الخارجي والفرص العالمية. لكن الحق يقال، وكما يفعل البدو من قبيلتي عندما يشهدون لأحد، ويمسكون بطرف ثوبهم، أقول:

«أدخل على الله، أشهد إنه أبو عبدالعزيز رجل دولة من الطراز الأول». رغم تقلبات الدنيا فهذه سيرورة الحياة؛ قد تختلف مع رجل في بعض الملفات، وقد تنتقد بعض قراراته أو خياراته، لكن ذلك لا يمنعك من الاعتراف بصفاته.

ومن باب الإنصاف، ربما كانت له وجهة نظر تستحق الاحترام؛ فقد يكون انتقائيًا فيمن يعتمد عليهم في إدارة هذه الاستثمارات، خصوصًا عندما يرى أن بعض الموظفين (وغدان)! غير ناضجين!

هنا أستخدم كلمة من لهجتنا القبلية الشمرية قد تُفهم خطأ خارج سياقها: «الوغد» عندنا هنا لا تعني السب أو «الوغد» بالمعنى المتداول، وإنما قد تستخدم لوصف الشخص غير الناضج.

كنت سأضرب مثالًا واضحًا لرجل الدولة بوزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان. لكن في الحقيقة، أي شيء يتعلق بسيدي الملك سلمان وأبنائه أعترف بأنني لم أكن ولن أكون حياديًا فيه منذ أن بدأت الكتابة في 2010.

أنا ابن الرياض، تربيت وترعرعت تحت كنف أبو فهد؛ كان شيخنا وسندنا ومعلمنا. ومن يعشق الرياض يحب أبا فهد، والعكس صحيح.

لكن حتى مع هذه الصراحة، ومن باب الشفافية، فإن أداء وزارة الطاقة، أفضل أداء بين وزارات الدولة وبالأرقام والنتائج، يتحدث عن نفسه.

الأرقام والأدلة دامغة ومكتسحة: compelling and overwhelming.

حتى المراقبون العالميون أبدوا إعجابًا بأداء الوزارة في هذه الظروف، وبكيفية إدارة ملفات الطاقة في مرحلة شديدة التعقيد على مستوى العالم.

وكيف لا يكون رجل دولة، وهو تخرّج في مدرسة عريقة في معرفة الرجال والتاريخ والسياسة، اسمها: سلمان بن عبدالعزيز.

وقد يكون هناك رجال دولة آخرون لا نعرفهم.

وأسمع عن اسم بدأ يسطع في هذا المجال، لكنني لا أعرف صفاته وأداءه بدقة كافية حتى أضعه ضمن هذه القائمة. وأنا حريص في هذا المقال على قدر كبير من الحياد.

لا أكتب مقالا في مدح العيبان، أو القصبي، أو العساف. بل إن آخر ما نحتاجه هو المديح، فمهمة الصحافة الأساسية، في رأيي، أن تراقب، وتنقد، وتقيم، وتسائل، وتشهد عندما يكون هناك ما يستحق الشهادة.

لهذا أقول إن هؤلاء، في تقديري، يستحقون بجدارة لقب رجال دولة. وهنا أصل إلى السبب الحقيقي لكتابة المقال.

أؤمن أن الدول كلما ارتفعت فيها نسبة رجال الدولة، وانخفضت نسبة موظفي الدولة بالمعنى البيروقراطي، ارتفعت قدرتها على التطور والازدهار والتفوق والقيادة بين الأمم. وهذا ما يهمني رفعة الوطن. لذلك أردت ضرب هذه الأمثلة الكبيرة لبقية المسؤولين والموظفين، لا لكي أمدح أشخاصًا، إنما لأشجع كل من يجلس على كرسي مسؤولية: حاول أن تتصرف كرجل دولة. حتى لو لم تكن رجل دولة بعد، على الأقل حاول أو تصرف أو تظاهر فليس كثيرون سيعرفون الفرق!

أو، كما يقول شكسبير في Hamlet:

«Assume virtue. even if you had not».

وكما يقول وليم جيمس:

«If you want a quality. act as if you already had it».