قبل مدة، طُرحت مقارنات حول الأموال التي تصل إلى اليمن من أبنائه المغتربين، لا سيما المقيمين في المملكة العربية السعودية، وبين طبيعة الدعم الذي تقدمه الدول المختلفة لليمن، ثم جرى النظر في الفرق بين المال الذي يذهب إلى الإنسان ومؤسسات الدولة ومشروعات التنمية، وبين المال الذي يتحول إلى وسيلة لإطالة الحرب وتعزيز قوة الجماعات المسلحة.
لعل الرقم الأكثر دلالة هنا أن البنك الدولي أشار إلى أن نحو 62% من تحويلات اليمنيين إلى بلدهم تأتي من السعودية، وهو ما يكشف حجم الارتباط الاقتصادي بين اليمنيين في المملكة وأسرهم ووطنهم. بل إن التحويلات أصبحت خلال السنوات الأخيرة من أهم موارد الاقتصاد اليمني الخارجية، وتجاوزت في أهميتها بعض مصادر الدخل التقليدية.
في الجانب الآخر، تكشف تقارير الأمم المتحدة عن مسارات مختلفة تماماً؛ إذ وثّق فريق الخبراء المعني باليمن شبكات مالية تعمل عبر عدة دول لتمويل أنشطة الحوثيين، كما أشار إلى دعم خارجي مكّن الجماعة من امتلاك وتطوير منظومات صاروخية وطائرات مسيّرة وأنظمة عسكرية معقدة، وإلى أوجه تشابه بين عدد من هذه المنظومات وما تنتجه إيران أو جماعات مرتبطة بها.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح:
أموال يرسلها يمني إلى أسرته لكي تعيش، وأموال تُنفق على ما يطيل أمد الصراع. وبين المالين وطنٌ يمني أنهكته الحرب.
الدعم السعودي لليمن ليس محصوراً في المساعدات الإنسانية الطارئة؛ فالبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن أعلن تنفيذ مئات المشاريع والبرامج في قطاعات الصحة والتعليم والطاقة والمياه والنقل وغيرها، كما أعلن في عام 2026 حزمة جديدة بقيمة 1.9 مليار ريال شملت 28 مشروعاً ومبادرة تنموية ومنحة للمشتقات النفطية.
في مارس 2026 أُعلن كذلك عن دعم اقتصادي سعودي بقيمة 1.3 مليار ريال للموازنة اليمنية، للمساهمة في النفقات التشغيلية والرواتب وتعزيز الاستقرار المالي.
هذه ليست أرقاماً عابرة؛ إنها تضع أمام اليمنيين سؤالاً يستحق أن يُطرح بعيداً عن الضجيج السياسي والإعلامي:
ما الذي قدمته الحرب لليمني العادي؟
كم مدرسة بُنيت بسببها؟
كم مستشفى أُنشئ بسببها؟
كم وظيفة صنعتها؟
كم أسرة أصبحت أكثر أمناً واستقراراً بسببها؟
في المقابل، كم بيتاً تهدم؟ وكم شاباً فقد حياته؟ وكم أسرة تفرقت؟ وكم فرصة تنمية ضاعت لأن بندقية الحرب تقدمت على قلم المدرسة ومشروع المستشفى وطريق التنمية؟
أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب هو أن تصبح الحرب بالنسبة لبعض أبنائه مشروعاً سياسياً أو اقتصادياً أو أيديولوجياً، بينما يدفع المواطن العادي ثمنها من أمنه ورزقه ومستقبل أبنائه.
من هنا تأتي قضية «المتحوثين»؛ أي أولئك الذين يتبنون مشروع الحوثيين أو يبررونه أو يساعدون على استمرار نفوذه، سواء داخل اليمن أو خارجه.
المشكلة ليست في الاختلاف السياسي، فالاختلاف حق، ولا في النقد، فالنقد ضرورة؛ وإنما في أن يتحول الاختلاف إلى دعم لمشروع مسلح على حساب الدولة والمجتمع، أو أن تصبح معاناة اليمنيين مادة لتصفية حسابات إقليمية لا يدفع ثمنها إلا اليمني.
والأشد إثارة للتساؤل أن بعض اليمنيين يعيشون خارج بلادهم في دول وفرت لهم الأمن والعمل والإقامة والاستقرار، بينما يبقى وطنهم غارقاً في أزمات الحرب. وهنا لا بد من الفصل بين اليمني بوصفه إنساناً يبحث عن رزقه وحياته، وبين موقفه السياسي من الحرب والجماعات المسلحة؛ فالأول لا ينبغي أن يكون موضع اتهام، أما الثاني فيستحق النقاش والمساءلة الفكرية والسياسية.
اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى دولة، ومؤسسات، واقتصاد، ومدارس، ومستشفيات، وطرق، وفرص عمل، وأمن يتيح لليمني أن يعيش في بلده بكرامة. والحروب مهما طال عمرها لا تبني وطناً.
قد تكسب جماعةٌ معركة، وقد تخسر جماعةٌ أخرى أرضاً، وقد تتغير التحالفات والحدود وموازين القوة، لكن الخاسر الأكبر في النهاية هو المواطن الذي يجد نفسه بعد سنوات الحرب واقفاً أمام وطنٍ أقل تعليماً، وأضعف اقتصاداً، وأكثر فقراً وانقساماً.
لذلك السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضراً أمام كل يمني، أينما كان:
هل ما نفعله اليوم يقرب اليمن من يوم يستطيع فيه أبناؤه أن يعيشوا بأمان، أم يؤجل ذلك اليوم عاماً آخر؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي.
اليمن لا يحتاج إلى من يربح الحرب فقط؛ بل يحتاج إلى من يساعده على الخروج منها وبناء السلام والدولة والمستقبل.