لفت ابن خلدون انتباهي، وهو يتحدث عن عوائق التحصيل، إلى مشكلة تبدو بعيدة عن زمننا في صورتها، قريبة منه في معناها. يقول: «اعلم أنه مما أضر بالناس في تحصيل العلم والوقوف على غاياته كثرة التآليف واختلاف الاصطلاحات في التعاليم وتعدد طرقها ثم مطالبة المتعلم والتلميذ باستحضار ذلك... ولا يفي عمره بما كتب في صناعة واحدة إذا تجرد لها فيقع القصور ولا بد دون رتبة التحصيل». ثم يقرر في حديثه عن علم الأصول أن «المطلوب منه تحصيل ملكة يستعد بها لفهم ما يلقى إليه من ذلك الفن».

يبقى السؤال الذي يثيره النص حاضرًا:

ماذا يحدث حين يتسع ما يُطلب من الإنسان أن يتعلمه، وتتعدد الطرق والمتطلبات التي عليه أن يجتازها، بينما يبقى عمره ووقته وقدرته على الاستيعاب محدودة؟


الطالب اليوم ينتقل بين مقررات ومهارات ووسائل للقياس ومتطلبات للقبول والمفاضلة، لكل منها غرضه وطريقته.

ليست القضية في وجود هذه المتطلبات أو كثرتها، وإنما في أثر اجتماعها وتتابعها على زمن المتعلم وتركيزه؛ فالاستعداد لها لا يقتصر على المعرفة، بل قد يتطلب فهم طبيعتها والتدرب على طريقتها وإدارة الوقت المخصص لها. وهنا يتوزع الجهد بين تحصيل المعرفة والاستعداد لإثبات هذا التحصيل.

في موضع آخر من حديثه عن التعليم، يقول ابن خلدون: «ومن المذاهب الجميلة والطرق الواجبة في التعليم أن لا يخلط على المتعلم علمان معًا؛ فإنه حينئذ قل أن يظفر بواحد منهما، لما فيه من تقسيم البال وانصرافه عن كل واحد منهما إلى تفهم الآخر... وإذا تفرغ الفكر لتعليم ما هو بسبيله مقتصرًا عليه فربما كان ذلك أجدر لتحصيله».

وإذا كان حديثه هنا عن الجمع بين علمين، فإن اللافت فيه أثر توزع الذهن في التحصيل. وليس المقصود أن يقتصر المتعلم اليوم على علم واحد، وإنما أن يبقى له من التركيز ما يسمح باستقرار ما يتعلمه.

هذه الملكة التي سماها ابن خلدون غاية المطلوب بين الزركشي ما تقوم عليه، فقال:

«ليس يكفي في حصول الملكة على شيء تعرفه، بل لا بد مع ذلك من الارتياض في مباشرته».

والذاكرة أساس في التعلم، والقياس وسيلة لمعرفة مقدار ما تحقق منه، لكن التحصيل يمتد إلى فهم المعرفة وربطها واستعمالها والبناء عليها. فلا يقف السؤال عند مقدار ما يستطيع المتعلم استحضاره، بل يتجاوزه إلى ما بقي من أثر ما تعلمه، وما أصبح قادرًا على فعله به.

من اجتماع ملاحظتي ابن خلدون والزركشي، يظهر أن المسألة لا تتعلق بكمية المعرفة وحدها، إنما بكيفية تنظيم طريق تحصيلها:

ما الذي يحتاج إلى تركيز، وما الذي يحتاج إلى ممارسة، وكم يُتاح لها من الزمن حتى ترسخ؟

ولا يعني ذلك تقليل ما يتعلمه الإنسان لمجرد التقليل، إنما ألا يطغى تعدد ما يُطلب منه تحصيله وإثباته على الغاية من ذلك كله:

أن تصبح المعرفة جزءًا من بنائه، وأداة لفهم ما يلقاه بعد ذلك.

ويبقى السؤال: كم نطلب من المتعلم أن يعرف، وكم نتيح له من الوقت والممارسة حتى يتحول ما يعرفه إلى ملكة؟