مع هذه التحولات، أرى أن المجتمع السعودي لا يزال محتفظا بدرجة عالية من التماسك، ومحافظا على كثير من عاداته وتقاليده وقيمه الاجتماعية. كما أن التغيرات الحديثة لم تمنع استمرار الاعتزاز بالهوية والانتماء الوطني.
من منظور اجتماعي، التغير لا يعني بالضرورة التخلي عن القيم أو فقدان الهوية. فالمجتمعات قادرة على التكيف مع المستجدات والاستفادة منها، وفي الوقت نفسه المحافظة على العناصر التي تشكل خصوصيتها الثقافية والاجتماعية.
وتأتي الأسرة السعودية في قلب هذه المعادلة؛ فهي المؤسسة الأولى التي يتعلم فيها الفرد القيم والسلوك وأنماط التعامل مع الآخرين. ولذلك فقوة الأسرة وقدرتها على القيام بدورها في التنشئة الاجتماعية تظل عاملاً أساسياً في المحافظة على تماسك المجتمع.
لكن التقنية أوجدت أمام الأسرة تحدياً يستحق الاهتمام.
المشكلة ليست في وجود الهاتف أو الأجهزة الذكية أو وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت هذه الأدوات جزءًا من متطلبات الحياة الحديثة، وأسهمت في تسهيل التعليم والعمل والتواصل والوصول إلى المعرفة. إنما تبدأ المشكلة عندما تتحول التقنية من أداة نستخدمها إلى عامل يستحوذ على أوقاتنا ويؤثر في علاقاتنا الأسرية.
من أكثر ما يستحق الانتباه انشغال الأبناء– وأحياناً الآباء والأمهات أيضاً– بالأجهزة على حساب التواصل المباشر داخل الأسرة. وقد يجتمع أفراد الأسرة في مكان واحد، بينما يكون كل فرد منشغلاً بهاتفه وعالمه الرقمي الخاص.
ويزداد الأمر أهمية مع الأطفال الذين يبدأ بعضهم التعامل مع الأجهزة والتطبيقات في سن مبكرة. فالطفل في هذه المرحلة لا يحتاج إلى وسيلة للترفيه فحسب، إنما يحتاج إلى الحوار والتوجيه والقدوة والتفاعل المباشر مع والديه وأسرته.
وهنا يظهر دور الأسرة في التنشئة الرقمية إلى جانب التنشئة الاجتماعية، أي أن نعلم أبناءنا كيف يتعاملون مع التقنية، بدل أن نترك التقنية تؤدي دوراً أكبر من دور الأسرة في تشكيل اهتماماتهم وسلوكهم.
لا أرى أن الحل يكمن في منع الأبناء من استخدام التقنية، فهذا ليس حلاً واقعيًا في عصر أصبحت فيه التقنية مرتبطة بالتعليم والمعرفة والتواصل. ولكن المطلوب هو الاستخدام المقنن والواعي.
من الممكن أن تبدأ الأسرة بتحديد العمر المناسب لاستخدام بعض الأجهزة والتطبيقات، وتنظيم الوقت المخصص لها بما يتناسب مع عمر الابن واحتياجاته. كما يمكن الاتفاق على أوقات تكون فيها الأجهزة بعيدة عن الجميع، وبخاصة أثناء الاجتماعات الأسرية والجلوس مع الوالدين، حتى تبقى لهذه اللقاءات قيمتها الإنسانية والاجتماعية.
في أيام الدراسة والاختبارات، تزداد مسؤولية الأسرة في المتابعة وتنظيم استخدام الأبناء للأجهزة، بحيث لا تتحول التقنية إلى مصدر دائم للتشتت على حساب الدراسة والواجبات.
في المقابل، لا ينبغي أن نحمل الأبناء المسؤولية وحدهم. فالقدوة تبدأ من الأب والأم. ومن الصعب أن نطلب من الطفل أن يترك هاتفه أثناء اجتماع الأسرة بينما يرى الكبار منشغلين بأجهزتهم.
المحافظة على الأسرة لا تتعارض مع التطور، والاستفادة من التقنية لا تتطلب التخلي عن قيمنا وعاداتنا الاجتماعية. القضية في النهاية هي قدرتنا على تحقيق التوازن بين الاستفادة من أدوات العصر والمحافظة على التواصل الإنساني داخل الأسرة.
لا مانع أن يستخدم أبناؤنا التقنية ويستفيدون منها، ولكن بصورة مقننة، وفي ظل متابعة وحرص من الآباء والأمهات. فالمسؤولية ليست في إبعاد التقنية عن أبنائنا، بل في تعليمهم كيف يستخدمونها دون أن تأخذهم من أسرهم ودراستهم ومجتمعهم.
بهذا نستطيع أن نتعامل مع التحولات الحديثة بثقة، وأن نستفيد مما تقدمه التقنية، مع المحافظة على ما يميز مجتمعنا من ترابط أسري وقيم اجتماعية وهوية وطنية.