تضع الهاتف جانبًا، وتحاول أن تهدّئ قلبها الذي أنهكه الانتظار. يصلها صوت سيارة تتوقف أمام المنزل، فتنهض مسرعة وتفتح الباب، قبل أن تكتشف أنها ليست سيارة ابنها. تعود إلى مكانها، وتنظر إلى صورته في هاتفها.
قبل سنوات، كانت تنتظر عودته من المدرسة، أما اليوم فأصبحت تنتظر عودته من طريق تخشى أن تفقده إلى الأبد.
في الغرفة المجاورة، أب مستيقظ لا يعرف ماذا يفعل: هل يخرج للبحث عنه؟ هل يتصل بأحد؟ هل يواجهه عندما يعود؟ أم يكتفي بالدعاء بأن يعود سالمًا؟
قد يبدو المشهد بعيدًا عن أعين الناس، لكنه واقع تعيشه أسر كثيرة عندما يدخل أحد أفرادها في دائرة تعاطي المخدرات.
المخدرات لا تؤذي الشخص المتعاطي وحده، ولا تنتهي آثارها بانتهاء الجرعة؛ إذ قد تمتد تبعاتها إلى الأسرة والعلاقات والمسؤوليات والصحة والمستقبل.
وراء كل شخص يعاني من اضطراب تعاطي المواد قد تكون أم فقدت نومها، وأب استنزفه القلق، وإخوة يعيشون بين الخوف والأمل، وبيت تحولت فيه الطمأنينة إلى انتظار وترقّب.
وتتجاوز خطورة المخدرات آثارها الصحية المباشرة، لتؤثر في حياة الإنسان اليومية وعلاقاته وقراراته وقدرته على القيام بمسؤولياته. وقد تنشأ عنها مشكلات أسرية واجتماعية ومالية، بينما تتحمل الأسرة بدورها ضغوطًا نفسية كبيرة، غالبًا ما تعيشها في صمت.
من أكثر اللحظات إيلامًا للوالدين أن يريا ابنًا ربّياه سنوات، ثم يشعرا أنه يتغير أمام أعينهما. يحاولان النصح، ثم الاحتواء، ثم البحث عن العلاج، وقد يتداخل الحب مع الخوف، والغضب مع العجز، ويبقى السؤال الأصعب:
كيف نعيد ابننا إلى نفسه قبل أن نخسره؟ هنا تأتي أهمية التدخل المبكر وطلب المساعدة المتخصصة.
اضطراب تعاطي المواد مشكلة تحتاج إلى علاج ودعم، وليست مجرد ضعف في الإرادة أو سلوكًا يمكن تجاهله حتى يزول من تلقاء نفسه. كما أن الأسرة تحتاج إلى التوجيه والمساندة؛ حتى تتمكن من التعامل مع المشكلة بطريقة أكثر أمانًا وفاعلية.
والأهم أن التعاطي لا ينبغي أن يكون حكمًا نهائيًا على الإنسان.
طلب العلاج ليس عيبًا، والاعتراف بالمشكلة ليس ضعفًا، والتعافي ممكن بإذن الله مع الحصول على العلاج المناسب والاستمرار في الدعم والمتابعة.
رسالة التوعية لا ينبغي أن تتوجه إلى المتعاطي وحده، بل إلى الأسرة والمجتمع أيضًا: لا تنتظروا تفاقم المشكلة حتى تبدأوا البحث عن المساعدة.
إلى كل أم تنتظر عودة ابنها في ساعات الليل، وإلى كل أب يخفي خوفه خلف الصمت:
لا تواجهوا الأمر وحدكم. اطلبوا المساعدة من الجهات المختصة، وابحثوا عن العلاج المناسب، وابدؤوا التدخل في وقت مبكر. فقد يكون القرار الذي يُتخذ اليوم خطوة مهمة في طريق استعادة الإنسان لصحته وحياته وعلاقاته.
مواجهة مشكلة المخدرات لا تبدأ فقط بمكافحة المادة المخدرة، بل تبدأ أيضًا بحماية الإنسان، ودعم الأسرة، وتسهيل الوصول إلى العلاج، ونشر الوعي الذي يخفف الوصمة ويشجع على طلب المساعدة. المخدرات قد تبدأ بتجربة، لكن آثارها قد تمتد إلى سنوات من المعاناة.
المخدرات تؤذي فردًا... لكنها قد تجرح أسرة كاملة. كلمة «اطلب المساعدة» قد تكون أحيانًا بداية طريق جديد نحو التعافي.