بالأمس كنت أطرق بابك فتستقبلني بالحفاوة والترحاب، كأنني غبت عنك شهورا وما فارقتك إلا ليلة البارحة، واليوم أصل إلى قبرك محملا بكل هذا الشوق، فأحدثك طويلا، ولا يعود إلي من حديثي جواب.
كان منزلك امتدادا لروحك، يحمل دفأك ويشهد بكرمك، قهوة تتجدد وتفوح منها رائحة الزعفران، وصينية تمر ممتلئة تزهي المكان، وإبريق شاي لا يكاد يفتر.
كثيرا ما كنت تدعوني إلى مجلسك، فإذا حضرت تنحيت عن صدره وأجلستني مكانك، مع أنك أكبرنا سنا وأرفعنا قدرا، ثم تأبى إلا أن يكون الفنجان الأول من يدك.
بقي البيت بعدك، وبقي المجلس في مكانه؛ لكنني أقف اليوم عند بابه، وأعطي أبناءك ما جئت به ثم أنصرف؛ لا لأن بابه أغلق في وجهي، بل لأن غيابك جعل للدخول حدودا يقف عندها الحياء.
في رحلات البر كنت أعرفنا بمسالك الأرض وأدرانا بشؤون التخييم، فلا تطيب لك رحلة حتى تجمع إخوتك حولك؛ فالأنس عندك لم يكن بالمكان، بل بمن تحب فيه.
اجتمعنا بعدك مرارا، فما اكتمل المكان، ولا عادت الرحلات كما كانت، خلا مقعدك، فأوحش كل ما حوله.
لم أتجاوز أيامك الأخيرة وأنت على سريرك الأبيض، تحتسب ما أصابك عند الله. وما برحت كلماتك عالقة في سمعي حين كنت تقول لوالدي، وقد أثقل عليك المرض: «أنا تعبان»، ثم تكررها.
يا ليتني استطعت أن أحمل عنك بعض ألمك، أو أهبك من عافيتي ما يرد إلى جسدك قوته.
ويا ليت في مقدوري أن أبذل كل ما بي من وجع ثمنا لمحو ذلك المشهد من ذاكرتي؛ لكنه بقي في داخلي، يعود إلي كلما هدأ الحزن، فيوقظه من جديد.
وحين رحلت، دنوت منك وألقيت عليك السلام وأنت مسجى فوق سريرك، فلم تذرف عيني دمعة!
لم يكن ذلك صبرا على فراقك ولا جلدا أمام موتك، بل كانت الفاجعة أكبر من أن يحيط بها عقلي، وأثقل من أن تحملها عيني.
سلمت عليك، وقبلتك على جبينك، ولم أدرك أنها القبلة الأخيرة... ولم أدرك أنني سأخرج من عندك إلى حياة تخلو منك.
أمهلتني الصدمة شهرا كاملا، ثم أعادت إلي فجيعتك دفعة واحدة.
ولم يكن يعلم أنني منذ غيابك أوهن من أن تحملني كلمة، وأثقل من أن ينهض بي عزاء.
وأنا أرثيك بهذه الكلمات، يهجم الدمع على عيني حتى تبهت أمامي شاشة هاتفي، وتتلاشى الحروف عن ناظري؛ كأن عينيَّ تأبيان قراءة الكلمات التي تثبت رحيلك.
أمسح دمعي لأواصل الكتابة إليك، ثم لا أكاد أكتب سطرا حتى يحجبك البكاء عني، كما حجبك الموت.
كيف أتجاوز مواقفك، وأنسى صوتك الذي كان يصدح من فوق منبر الجمعة وكل فريضة؟ وكيف أمحو من ذاكرتي إشراقة محياك، وهداياك، وعطاياك، وأياديك الممتدة إلى الناس بالخير؟
وكيف أستأنف حياتي وقد انقطعت عني مشورتك، وغاب رأيك الذي كنت ألجأ إليه كلما ضاق بي أمر أو التبس علي طريق؟
لم أفقد برحيلك أخا فحسب؛ فقدت ركنا كنت أستند إليه، وصوتا كان يدلني، وقلبا كنت أطمئن إلى وجوده وإن لم أره كل يوم.
ويستبد بي الشوق إليك حتى أراك في منامي. أصبحت أتوق إلى النوم، لا طلبا للراحة، وإنما رجاء أن ألقاك. تطل علي بهي الطلعة، حسن الهندام، لا تفارق الابتسامة محياك؛ فأصدق للحظات أنك ما زلت بيننا، وأن الموت لم يأخذك منا.
ثم أستيقظ، فتردني اليقظة إلى وحشة غيابك، وكأنني أفقدك في كل صباح من جديد.
ما رحلت وحدك يا ماجد؛ بل أخذت معك شيئا من كل واحد منا، وتركت في كل واحد منا شيئا منك.
أخذت من مجالسنا بهجتها، ومن اجتماعنا تمامه، ومن قلوبنا طمأنينة كانت تستمدها من وجودك؛ ثم تركت لنا من سيرتك ما نستدل به عليك، ومن جميل أثرك ما يحول بين الغياب والنسيان.
كنا نحسب، حين شيعناك إلى قبرك، أننا نحن الذين ودعناك؛ وما علمنا أننا الباقون بعدك، ننتظر الموعد الذي سبقتنا إليه.
فإن أبطأت بنا الأيام عنك، فلن يبطئ عنك دعاؤنا، ولن يبلى فينا عهدك، ولن يجد النسيان إلى اسمك سبيلا.
سلام عليك يا أخي، يوم جئت إلى الدنيا طيب الفطرة.
ويوم خرجت منها طيب السيرة والذكر.
سلاما يوم نلقاك - بإذن الله - في دار لا يخرج منها حبيب، ولا يفجع فيها أخ بأخيه.