ما يطغى على المشهد أن الجميع تقريباً مشغول بقراءة الوضع «اليمني»، غافلين عن ميكانيزمات وضرورات النظر إلى الوضع «الجمهوري في اليمن».
قراءة الوضع «اليمني» سهلة ومريحة ومفتوحة للاجتهاد والتأويل، فبإمكاني القول مثلاً: اليمن مركز حضاري وعلمي قديم ويعرف التبادل الثقافي منذ مئات السنين، وأكثر هذه الأمثلة وضوحاً استقرار مجد الدين الشيرازي الفيروزآبادي بها (ولد في بلاد فارس سنة 729هـ) وتنقل في طلب العلم من العراق إلى دمشق والقدس والقاهرة وغيرها، إلى أن استقر به المقام في زبيد باليمن (وتوفي بها سنة 817هـ)، وهو صاحب «القاموس المحيط» الموجود في كل مكتباتنا العربية.
وعلى المستوى السياسي سنقرأ الوضع «اليمني» من خلال تكنيك سهل يعود بنا إلى أدوات ابن خلدون (توفي 808هـ) في «العصبية وادِّعاء الدين»، فالعصبية كما نرى تكمن في السلالة داخل القبيلة، وادعاء الدين يكمن في الحوثي، وهنا تكتمل المعادلة التقليدية التي ينقصها أدوات تنظيمية تعلمتها الثورة الخمينية من التنظيمات اليسارية للمدرسة السوفيتية القديمة، تلك الأدوات التي صنعت من «الخميني نفسه»، الذي لا يملك خبرات إدارية حتى في إدارة حوزة، فضلاً عن إدارة دولة بحجم إيران، قائداً يمتلك موهبة هي لبّ لباب السياسة منذ أول تجمع بشري، وأقصد بها «القدرة على هندسة القوة البشرية في لحظة التحول التاريخي» ولهذا قام باختيار الأكفأ ولو على حساب الولاء... إلى حين الاستغناء.
اعتمد الخميني استراتيجية توازن القوى والتصفيات المرحلية، وذلك باستغلال التكنوقراط أولاً مع التعبئة الشعبية «المستضعفين»، حيث حرّك الجماهير الفقيرة باسم الدين ليكونوا درعاً له ضد أي تحرك للنخبة المثقفة، ثم تخلّص من الحلفاء بمجرد أن اشتد عود المؤسسات الدينية التابعة له كالحرس الثوري والمحاكم الثورية، حيث قام بإقصاء وتصفية التيار التكنوقراطي الليبرالي واليساري لينفرد رجال الدين بالسلطة المطلقة.
وبقول آخر: استخدم التكنوقراط الليبرالي والقومي في مرحلته الانتقالية، مشكّلين أول حكومة مؤقتة لامتصاص الصدمة وتسيير الدولة، ومن أبرزهم: مهدي بازركان أول رئيس وزراء بعد الثورة، وكان أيام الشاه رئيس قسم الهندسة بجامعة طهران، ومتخرجاً في الهندسة من فرنسا، وأبو الحسن بني صدر، أول رئيس للجمهورية الإيرانية، وكان خريج السوربون بفرنسا أيضاً، ومصطفى جمران خريج جامعة بركلي بأمريكا بتفوق في مجال الطاقة، وقد استلم وزارة الدفاع، وشبكة علاقاته منذ عام 1963 حتى وفاته في الحرب العراقية - الإيرانية عام 1981 تجعل قاسم سليماني بجواره مجرد تلميذ.
باختصار، يمكن قراءة الوضع «اليمني» من خلال العصبية والدين، وهنا تتجلى ظاهرة الحوثي مع جهاز تنظيمي يمكن تركيز الحديث عنه بـ«كعب أخيل» هذا التنظيم الحوثي، وأنا أعنى «كعب أخيل» بكل حمولتها التي تشير إلى «الإصابة في مقتل» وأقصد «شبكة المشرفين الثقافيين العقائديين/الأمن الوقائي» فاستهدافهم وتتبعهم استخباراتياً يؤدي فوراً إلى شلل مؤسسات الدولة التابعة لهم، لأن الموظفين التكنوقراط التقليديين سيرفضون الانصياع دون وجود العصا الحوثية المباشرة فوق رؤوسهم ممثلة في هؤلاء المشرفين.
طبعاً انسقتُ للحديث عن التجربة الإيرانية في أول المقال شارحاً تمسكن الخميني للتكنوقراط أول الأمر ثم انقلابه عليهم، فهل يتمنى «المخلصون للجمهورية اليمنية» المصير نفسه؟ لأن خاتمة المقال ستتجه بالخطاب إلى قيادات وكوادر حزب المؤتمر الشعبي العام، خصوصاً المقيمين في القاهرة، ومعهم قيادات وكوادر الأحزاب الأخرى، علماً أن الحوثي لا يمتلك «دولة» كالخميني ليعيد هندستها، بل يحاول بناء جهاز فوق الدولة، تكراراً لنموذج حزب الله في «الجمهورية اللبنانية» ومثله في «جمهورية العراق».
ولأننا تحدثنا عن الوضع «اليمني» فماذا عن وضع «الجمهورية اليمنية»؟ هنا لا يمكن أن أعفي من العتب واللوم حزب المؤتمر الشعبي العام وغيره من الأحزاب المنظمة، خصوصاً القيادات والكوادر العتيقة المقيمة في القاهرة، فأنا أعلم - بحدسي ومعرفتي بالشخصية اليمنية - أن حزب المؤتمر الشعبي العام، الذي وصل عدد كوادره إلى ما يزيد على 6 ملايين، لن يكونوا جميعاً من العقائديين المؤمنين بقيم الثورة اليمنية في رايتها الحمراء التي ترمز لدم الشهداء في سبيل الحرية، واللون الأبيض الذي يرمز إلى نقاء مبادئ الثورة ومستقبل الجمهورية المشرق، والأسود الذي يرمز إلى عهد الظلام والاستبداد الذي زال بانتصار الثورة، ليجعل الدم يغلي في القلوب إيماناً وغيرة على قيم ثورة 26 سبتمبر منذ حصار السبعين وحتى اليوم.
أقول: إني أعلم أن هذا العدد يحمل بداخله كوادر تكنوقراطية انتهازية تميل حيث مالت الريح، ولكن في المقابل هناك كوادر سياسية عتيقة وأصيلة في إيمانها بجمهوريتها، متخلية عن أساليب المرحوم علي صالح في الرقص على رؤوس الثعابين بدم شعبه في حربه «المتذاكية» على القاعدة ومن بعدها الحوثي، انتهاء باحتراقه، ولم يتعلم التخلي عن «التذاكي» وصولاً إلى رأسه، لتكون بعض القيادات الحالية متذاكية في محاولتها الرقص على رؤوس الدول بدماء شعبها أيضاً، فيا له من عار.
هذه ليست دعوة للعودة إلى الماضي، بل دعوة إلى فهم أن قراءة «اليمن» تعيد إنتاج الدائرة، بينما قراءة «الجمهورية اليمنية» وحدها تفتح الطريق نحو التاريخ الخطي الذي يتجاوز ما قبله، فالجمهورية ليست جغرافيا ولا ذاكرة فقط، بل مشروع دولة، ومشروع الدولة لا يُستعاد بالحياد ولا بالانتظار، بل بالفعل السياسي والعمل الميداني.
أعتذر عن القسوة، لكن عتب بعضكم على الكوادر اليمنية التي تعمل في الرياض - لأنهم يعملون بطريقة قد لا تعجب بعضكم - لا يعفيكم من العتب، لأنكم قررتم الحياد السلبي الذي جعلني أسترسل في سرد لعبة الخميني في تصفية الخصوم بعد الاعتراف الدولي به، علماً بأن حكم اليمن بالمفهوم السلالي - فيما لو حصل جدلاً - لن يجعل الحوثي مقدماً على السلالة المتوكلية من آل حميد الدين، فهي تملك الشرعية الملكية التاريخية المستندة إلى أضابير القانون الدولي السابقة، مع ما يفتحه هذا الباب من صراعات داخل فروع عديدة للسلالة في اليمن.
أخيراً: هل تتمنى قيادات حزب المؤتمر الشعبي العام، ومن معها من أحزاب أخرى تشاركها الهم نفسه والقلق الحقيقي والصادق على «الجمهورية»، أن يسجل التاريخ عجزها عن العمل السياسي ولو بالرأي المخلص في سبيل استعادة «الجمهورية اليمنية»؟ أم يترك «اليمن» لمكر التاريخ الذي قررتم فيه أن تكونوا مجرد «كاتبي مذكرات أمجاد جمهورية غابرة» لا سمح الله؟