حين تطلق وزارة الداخلية مبادرة بلاغ فالرسالة تتجاوز إنتاج محتوى توعوي إلى ترسيخ مفهوم وطني بالغ الأهمية وهو أن الأمن مسؤولية مشتركة وأن المواطن ليس مجرد مستفيد من المنظومة الأمنية بل شريك فاعل في حمايتها ودعمها بالمعلومة والوعي والمسؤولية.

فالمواطن هو الأقرب إلى تفاصيل الحياة اليومية وهو الذي قد يلاحظ المخالفة قبل أن تتسع ويرى السلوك المشبوه قبل أن يتحول إلى خطر ويعرف بعض صور التجاوز قبل وصولها إلى الجهات المختصة، ومن هنا تأتي أهمية البلاغ باعتباره أداة وقائية قد تمنع جريمة أو تكشف فسادا أو تحمي المال العام أو تسهم في حماية إنسان من ضرر كان يمكن أن يقع.

وعندما نقول إن المواطن رجل الأمن الأول فإن المقصود ليس أن يتولى التحقيق أو يصدر الأحكام أو يحل محل الجهات المختصة وإنما أن يكون يقظا ومسؤولا، وأن يدرك أن المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب قد تكون ذات قيمة أمنية كبيرة فالمواطنة لا تقتصر على الحقوق بل تتجسد كذلك في تحمل المسؤولية تجاه أمن المجتمع ومقدرات الوطن.


وينطبق هذا المفهوم على مكافحة الفساد أيضا فالجهات الرقابية مهما بلغت كفاءتها لا يمكن أن تكون حاضرة في كل معاملة أو مؤسسة أو ممارسة، ولهذا تصبح مشاركة المواطن والموظف والمستفيد جزءا أساسيا من منظومة الرقابة عندما يبلّغ عن المخالفات والتجاوزات عبر القنوات الرسمية وبمعلومات دقيقة يمكن التحقق منها.

لكن البلاغ مسؤولية أخلاقية وقانونية ولا ينبغي أن يتحول إلى أداة للخصومات أو تصفية الحسابات أو إطلاق الاتهامات دون دليل. وهنا يجب التفريق بوضوح بين البلاغ المسؤول والتشهير وبين نقل المعلومة للجهة المختصة وتحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات للاتهام فدور المواطن هو الإبلاغ، أما التحقق والتحقيق والحكم فهي مسؤولية الجهات المختصة.

من منظور الإعلام والاتصال فإن نجاح منظومة البلاغ لا يعتمد على وجود القنوات الرسمية فقط بل على بناء ثقافة مجتمعية تعرف متى تبلغ وكيف تبلغ وما المعلومات التي تحتاجها الجهات المختصة، فالاتصال الأمني الناجح لا يبدأ بعد وقوع الخطر وإنما يبدأ قبله من خلال التوعية والوقاية وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسة.

هنا تظهر أهمية مبادرة بلاغ بما تتيحه من مواد مرئية وإنفوجرافيك وتصاميم وتقارير إعلامية تسهم في تحويل المفاهيم الأمنية إلى رسائل مبسطة وقريبة من المجتمع لأن قوة الرسالة الإعلامية لا تقاس بصحتها فقط بل بقدرتها على الوصول والفهم والتأثير في السلوك.

في عصر أصبح فيه كل مواطن يمتلك منصة إعلامية في هاتفه، المسؤولية أصبحت أكبر، فالجهاز الذي يستطيع نشر إشاعة خلال ثوان يستطيع كذلك إيصال معلومة تحمي مجتمعا أو تكشف مخالفة أو تمنع ضررا.

المجتمع الآمن ليس المجتمع الذي لا تقع فيه مخالفات فهذا تصور غير واقعي، إنما المجتمع الأقوى هو الذي يمتلك مؤسسات فاعلة ومواطنين واعين وثقة متبادلة وقنوات بلاغ واضحة.

قيمة مبادرة بلاغ تكمن في ترسيخ معادلة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه؛ وهي أن المواطن الواعي عين لوطنه، وأن المعلومة مسؤولية، وأن البلاغ الصادق قد يكون أول خطوة في حماية إنسان أو مال عام أو أمن مجتمع بأكمله.