بين قطرة تُحتجز خلف السد، وأخرى تواصل طريقها عبر الوادي، فتح أستاذ الجغرافيا الطبيعية بجامعة الملك سعود الدكتور عبدالله الوليعي ملفًا مائيًا تجاوز من خلاله فكرة قدرة السدود على تخزين السيول، إلى حجم الاستفادة الفعلية من المياه بعد احتجازها، وما يصل منها إلى المياه الجوفية والأودية والمزارع، وما قد يُفقد بالتبخر.

بالمقابل تضع بيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة أرقامًا كبيرة أمام هذه المعادلة؛ إذ تستقبل المملكة نحو 150 مليار متر مكعب من الهطول المطري سنويًا، يتحول منها نحو 8 مليارات متر مكعب إلى جريان سطحي وسيول، فيما تضم المملكة 574 سدًا بطاقة استيعابية إجمالية تبلغ 2.6 مليار متر مكعب.

32.5%.. ولكن


حسابيًا، تعادل الطاقة الاستيعابية للسدود، البالغة 2.6 مليار متر مكعب، نحو 32.5% من حجم الجريان السطحي السنوي المقدر بـ8 مليارات متر مكعب.

ومع ذلك فإن هذه النسبة لا تعني أن السدود تحجز فعليًا 32.5% من السيول كل عام؛ فالسعة التخزينية تمثل القدرة التصميمية للسدود، وليست كمية المياه التي تدخل إليها سنويًا.

كما تختلف كميات الأمطار وتوزيعها من منطقة إلى أخرى ومن عام إلى آخر، ولا تمر جميع السيول عبر السدود، فضلًا عن اختلاف مناسيب امتلائها وكميات المياه التي تُصرف منها وتوقيت التصريف.

ويبقى الأهم هو مقدار ما يصل فعليًا إلى السدود، وما يُخزن ويُستخدم، وما يُصرف إلى الأودية، وما يتسرب إلى المياه الجوفية، وما يفقد بالتبخر.

ماذا يحدث خلف السد؟

هنا يأتي طرح الوليعي - في بودكاست رسالة الجامعة - إذ يرى أن تقييم السدود في البيئات الصحراوية يجب ألا يعتمد على حجم التخزين وحده، وإنما على كفاءة الاستفادة من المياه المحتجزة وأثر السد في المنظومة الطبيعية للوادي.

ويشير إلى أن حجز مياه السيول خلف بعض السدود يحولها إلى مسطحات مائية مكشوفة أمام أشعة الشمس ودرجات الحرارة المرتفعة، ما يعرض جزءًا منها للتبخر، في حين كان يمكن لجزء من المياه، عند استمرار جريانها، أن يتسرب على امتداد الوادي ويسهم في تغذية المياه الجوفية والآبار والمزارع.

الطمي في قاع البحيرة

ويضيف الوليعي عاملًا آخر يتعلق بالطمي والرواسب التي تحملها السيول، إذ تستقر مع توقف المياه في قاع بحيرة السد، ويرى أن تراكمها قد يقلل قدرة الأرض على تمرير المياه إلى باطنها، وبالتالي يؤثر في التغذية الجوفية.

وتدعم بيانات وزارة البيئة أهمية ملف الرسوبيات من ناحية التشغيل، إذ أظهرت بيانات سابقة للوزارة إزالة نحو 3 ملايين متر مكعب من الرسوبيات المحمولة بالسيول والمتراكمة في بحيرات السدود سنويًا ضمن أعمال التشغيل والصيانة.

ماذا يبقى للوادي؟

ويركز الوليعي كذلك على الجانب الآخر من السد؛ فالمياه التي كانت تواصل جريانها في الوادي تسهم أثناء رحلتها في تغذية التربة والمياه الجوفية والآبار والغطاء النباتي والمزارع الواقعة على امتداد المجرى.

ويستشهد بسد الملك فهد على وادي بيشة، داعيًا إلى دراسة أثر السد على كامل امتداد الوادي، وليس فقط كمية المياه التي يستطيع تخزينها، وإلى تقييم كل سد وفق الطبيعة الجغرافية والهيدرولوجية للموقع الذي أقيم فيه.

نافياً أن أي تراجع في الزراعة أو المياه الجوفية أسفل السدود سببه السد وحده، إذ تتداخل عوامل أخرى، من بينها كميات الأمطار، وضخ المياه الجوفية، والاستهلاك الزراعي، وطبيعة التربة.

أين تذهب المياه؟

في المقابل، تقدم بيانات وزارة البيئة صورة أوسع لمسارات الاستفادة من مياه السدود؛ إذ تشير إلى أن السدود تدعم تأمين نحو 400 مليون متر مكعب من المياه سنويًا، منها 150 مليون متر مكعب تُصرف للأغراض الزراعية، و250 مليون متر مكعب تسهم في إمدادات مياه الشرب.

كما تؤكد الوزارة أن الكميات المتبقية من مياه السيول تستمر كجريان سطحي في الأودية والشعاب، لتغذية الطبقات الحاملة للمياه الجوفية والمساهمة في استمرار وتنمية الحياة الفطرية في الأودية.

وتكشف بيانات سابقة للوزارة عن تصريف نحو 1.2 مليار متر مكعب من مياه السدود بهدف رفع مناسيب المياه الجوفية وتغذية آبار المزارعين، إلى جانب إجراء تجارب لحقن مياه سد الملك فهد على امتداد وادي بيشة لتنظيم الاستفادة منها.

ليست كل السدود واحدة

كما تكشف البيانات اختلاف وظيفة السد من موقع إلى آخر؛ إذ سبق أن صنفت الوزارة مئات السدود بين سدود للشرب، وأخرى للاستعاضة وتغذية آبار المزارعين، وسدود للحماية من أخطار السيول، إلى جانب السدود الجوفية التي تستهدف تعزيز الاستفادة من المياه الجوفية المتجددة.

وهو ما يلتقي مع جوهر طرح الوليعي في ضرورة ألا تُقرأ السدود باعتبارها نموذجًا واحدًا؛ فالسد الذي يحمي تجمعًا سكانيًا من السيول تختلف معادلة تقييمه عن سد مخصص للشرب أو آخر أُنشئ لتغذية المياه الجوفية.