عرف الإنسان الثروة قبل أن يعرف النقود بصورتها التي نعرفها اليوم. امتلك الأرض، وادخر الذهب، ثم ظهرت الأوراق النقدية والأسهم والصكوك والسجلات التي تثبت الملكية والحقوق. واليوم تضيف التقنية صورة أخرى إلى هذه الصور؛ فقد أصبح من الممكن أن توجد القيمة، أو أن يُمثَّل الحق فيها، داخل بيئة رقمية يمكن التعامل معها وتداولها إلكترونيًا.

وهذا هو المدخل الأبسط لفهم الأصول الرقمية. فبعضها ينشأ في العالم الرقمي ولا يقابله أصل مادي بعينه، كما هي الحال في العملات الرقمية المشفرة، وبعضها يمثل حقًا في أصل قائم في الواقع، كالعقار أو الأسهم أو الذهب. وفي الحالة الثانية لا تكمن أهمية التقنية في أنها استبدلت الوثيقة الورقية بسجل إلكتروني فحسب، وإنما في أنها أتاحت تمثيل الحق نفسه بطريقة جديدة قد تغير أسلوب امتلاكه وتداوله والاستثمار فيه.

ولعل العقار أوضح مثال على ذلك. فالعقار أصل مرتفع القيمة، وقد يصعب على كثير من الأفراد امتلاكه كاملًا، بينما يمكن تمثيل بعض الحقوق المرتبطة به في وحدات رقمية تتيح، بحسب ما تسمح به الأنظمة، تملك حصص أصغر فيه. وينطبق المبدأ نفسه على الذهب؛ فبدل أن يشتري المستثمر سبيكة كاملة ويحفظها، يمكن أن تمثل الوحدات الرقمية حصصًا محددة في كمية من الذهب محفوظة لدى جهة معتمدة. وقس على ذلك الأسهم وغيرها من الأصول التي يمكن أن تمثل حقوقها في صورة رقمية مع بقاء الأصل أو الحق الذي تستند إليه قائمًا ومعروفًا.


وتكمن جاذبية هذا النموذج في إمكان توسيع فرص الاستثمار، وتيسير انتقال بعض الحقوق، ورفع كفاءة توثيق المعاملات ومتابعتها، فضلًا عن الاستفادة من التقنية في تنفيذ بعض الإجراءات بصورة آلية. غير أن سهولة تداول الأصل الرقمي لا تعني أن مسألة الحقوق قد حُسمت؛ فالمستخدم لا يعنيه الرمز في ذاته بقدر ما يعنيه ما يمثله هذا الرمز.

إذا اشترى شخص حصة رقمية مرتبطة بعقار، فما الذي امتلكه فعلًا؟ هل أصبح شريكًا في ملكية العقار، أم أن له حقًا في العائد فقط؟ وإذا اشترى وحدة تمثل جزءًا من كمية من الذهب، فمن يضمن وجود الذهب وحفظه وعدم التصرف فيه مرتين؟ وماذا يحدث إذا اختلف السجل الرقمي مع السجل الرسمي للملكية، أو تعطلت المنصة، أو نشأ نزاع بين الأطراف؟

هذه الأسئلة ليست مسائل فنية ثانوية، بل تتصل بأصل الحق نفسه. فالبرنامج ينفذ ما كُتب فيه، لكنه لا يعرف الأنظمة ولا يفسرها من تلقاء نفسه. فإذا سمح النظام التقني بنقل حصة عقارية إلى شخص لا تجيز له الأنظمة تملكها، فلن تمنع التقنية ذلك ما لم يراعِ التصميم هذه الأحكام. وإذا توفي صاحب الأصل، فإن انتقال الحقوق إلى الورثة تحكمه قواعد معروفة، بينما يحتاج النظام الرقمي إلى ما يضمن انعكاس هذه الحقوق على السجلات والتعاملات بصورة صحيحة.

لهذا لا يكفي أن نسأل إن كانت التقنية قادرة على ترميز العقار أو الذهب أو الأسهم، إنما ينبغي أن نسأل عن طبيعة الحق الذي يمثله الأصل الرقمي، وعن الجهة التي تثبته وتحميه، وعن المسؤولية عند وقوع الخطأ.

هنا يلتقي عمل المشرّع بعمل المطور. فلا التقنية تستطيع أن تنفصل عن الإطار النظامي الذي يحفظ الحقوق، ولا يستطيع التشريع أن يتجاهل طبيعة التقنية وما تتيحه من صور جديدة للملكية والتداول. وقد تكفي بعض الأنظمة القائمة لمعالجة جوانب من الأصول الرقمية، بينما تستدعي جوانب أخرى أحكامًا أكثر تحديدًا. فالحصة الرقمية المرتبطة بعقار، على سبيل المثال، قد تثير أسئلة تتعلق بطبيعتها القانونية، وبطريقة انتقالها، وبالضرائب المترتبة عليها، وبحقوق حاملها مقارنة بمالك العقار نفسه.

من هنا تظهر أهمية الحوكمة بوصفها الحلقة التي تربط التقنية بالتشريع والممارسة. فالقانون يقرر الحقوق والالتزامات، والتقنية تنفذ جانبًا منها، أما الحوكمة فتضمن وضوح المسؤوليات، وسلامة الإجراءات، وإمكان المراجعة والمساءلة عند الحاجة.

ويأتي عملنا البحثي في هذا السياق، إذ نركز على حوكمة التقنيات الناشئة وجودتها، لا سيما التقنيات التي تقوم على التشفير والبيئات الرقمية واللامركزية، وما يرتبط بها من أصول رقمية ونظم جديدة لإدارة الحقوق واتخاذ القرارات.

في إحدى دراساتنا طورنا نموذجًا لقياس نضج الحوكمة في المنظمات اللامركزية، ثم طبقناه على سبع وثلاثين منظمة نشطة استنادًا إلى وثائق الحوكمة التي تنشرها. وأظهرت النتائج أن كثرة القواعد والإجراءات لا تعني بالضرورة نضج الحوكمة؛ فقد تكون آليات اتخاذ القرار واضحة، بينما تظل المساءلة أو الضمانات أو القدرة على مراجعة القواعد أضعف مما ينبغي.

وتتجاوز أهمية هذه النتائج حدود تلك المنظمات؛ فالمبدأ نفسه ينطبق على كثير من التقنيات الناشئة. فكلما أصبحت الأنظمة أكثر استقلالًا وتعقيدًا، ازدادت الحاجة إلى معرفة من يضع القواعد، ومن يراقب تطبيقها، ومن يتحمل المسؤولية إذا أخطأ النظام أو أضر بالمستخدم.

ولهذا فإن الحوكمة الواعية والفاعلة ليست أمرًا ثانوياً في الأنظمة التقنية، وإنما شرط من شروط نجاحها واستمرار الثقة بها. وهذا ينطبق على الأصول الرقمية مثلما ينطبق على نماذج الذكاء الاصطناعي وغيرها من الأنظمة الذكية. فالتقنية قد تكون شديدة التقدم من الناحية الفنية، لكنها تظل ناقصة إذا غابت عنها قواعد واضحة للمسؤولية والمساءلة وحماية الحقوق.

فالأصل الرقمي لا يصبح موثوقًا لأنه رقمي، ونموذج الذكاء الاصطناعي لا يصبح مأمونًا لمجرد ارتفاع قدراته. الثقة تنشأ حين يعرف الإنسان حقوقه، وتكون المسؤوليات واضحة، وتوجد آليات تراجع القرارات وتصحح الخلل وتحمي المتعاملين.

هنا يكمن التحدي الحقيقي أمام التقنيات الناشئة: ليس في قدرتنا على ابتكارها فحسب، بل في قدرتنا على بناء الحوكمة التي تجعلها نافعة وجديرة بالثقة، بحيث تسير سرعة الابتكار جنبًا إلى جنب مع وضوح الحقوق وسلامة الممارسة.