ثَمَ فرق جوهري بين من يحمل مشروعاً لبناء المستقبل، ومن لا يرى في القوة إلا وسيلة لتوسيع دائرة الدمار. البناء يحتاج إلى عقل يؤمن بالحياة، وإلى أخلاق تضبط القوة، وإلى إرادة تستطيع تجاوز الخصومة نحو أفق أوسع. أما الدمار، فلا يحتاج إلى رؤية بعيدة؛ يكفيه أن تتحول الكراهية إلى عقيدة، وأن يصبح إيذاء الآخرين وسيلة لإثبات القوة.

الاعتداء على مطار الملك خالد الدولي في الرياض، وما ارتبط به من تهديد لأمن المدنيين، يضعنا أمام سؤال: ماذا يبقى من أخلاق أي مشروع حين تصبح حياة الآمنين جزءاً من حساباته؟ وتزداد قسوة هذا السؤال حين يكون من بين المتضررين معتمرون قدموا إلى المملكة طلباً للعبادة، لا للمشاركة في صراع، ولا للدخول في معركة، وإنما لأداء شعيرة دينية يفترض أن تحيط بها الطمأنينة والأمان.

تأمل المفارقة: إنسان يغادر وطنه، ويقطع المسافات، ويحمل في قلبه شوقاً إلى بيت الله، وآخر يطلق أدوات الحرب التي قد تحول رحلته إلى خوف ومأساة. الأول يبحث عن السكينة، والثاني يهددها؛ الأول جاء من أجل العبادة، والثاني يضع حياة الأبرياء في دائرة الخطر. وبين المشهدين تتكشف المسافة الأخلاقية الهائلة بين من يرى في الإنسان غاية تستحق الحماية، ومن يتعامل معه بوصفه تفصيلاً يمكن التضحية به في سبيل أهدافه.


استهداف المنشآت المدنية وتعريض المسافرين للخطر ليس مجرد اعتداء على موقع جغرافي، بل انتهاك لمعنى الأمان الذي تقوم عليه حياة المجتمعات. فالمطار ليس مجرد مدرجات وطائرات ومبانٍ، وإنما مساحة يعبر من خلالها الناس إلى أعمالهم وأسرهم وأحلامهم. وفيه مسافر لا يعرف شيئاً عن حسابات الصراع، وطفل لا يفهم لماذا أصبح الخوف جزءاً من رحلته، ومعتمر لم يحمل معه سوى نية العبادة. هؤلاء ليسوا أرقاماً في بيان عسكري، بل بشر لهم حيواتهم وكرامتهم وحقهم في العودة إلى بيوتهم سالمين.

المشكلة في مشروع الحوثي، كما تكشفها الاعتداءات التي تهدد المدنيين، ليست في امتلاك أدوات القوة وحدها، بل في الغاية التي تُستخدم من أجلها. فالقوة التي لا تضبطها المسؤولية تتحول إلى تهديد، والشعارات التي لا تقيدها الأخلاق تصبح غطاء للعنف. ولا يمكن لأي خطاب أن يمنح نفسه حصانة أخلاقية لمجرد أنه يرفع راية دينية أو سياسية؛ فالمعيار الحقيقي ليس ما يقوله أصحاب الشعارات عن أنفسهم، وإنما ما تفعله أفعالهم بحياة الآخرين.

الدين ليس ترخيصاً لإيذاء الأبرياء، والعدالة لا تتحقق بصناعة ضحايا جدد، ومقاومة الظلم تفقد معناها حين تتحول إلى ممارسة تهدد الآمنين. أخلاق الإنسان تظهر بوضوح عندما يمتلك القدرة على الإيذاء، ثم يختار ألا يتجاوز الحدود التي تحفظ حياة الآخرين. أما حين تصبح الخصومة مبرراً لكل شيء، فإنها لا تعود موقفاً سياسياً فحسب، بل تتحول إلى أزمة أخلاقية تتآكل فيها قيمة الإنسان أمام رغبة الانتقام وإثبات القوة.

مواجهة هذه الاعتداءات لا تقتصر على حماية الحدود والمنشآت، على أهمية ذلك، بل تشمل أيضاً الدفاع عن مبدأ إنساني لا يجوز أن يتغير بتغير أطراف الصراع: المدنيون ليسوا أهدافاً مشروعة، وحرمة الإنسان لا تسقط بسبب الخلافات السياسية، وحق الناس في الأمان ليس امتيازاً تمنحه القوة لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء.

المملكة العربية السعودية، وهي تحمي أمنها ومواطنيها والمقيمين على أرضها وزوار بيت الله الحرام، تدافع عن قيمة تتجاوز حدودها؛ قيمة أن يتمكن الإنسان من السفر والعبادة والعيش دون أن يصبح رهينة لصراع لم يختره. فالأمن ليس مجرد غياب الصواريخ، وإنما شعور الإنسان بأنه يستطيع أن يمارس حياته دون أن يخشى أن تتحول براءته إلى نقطة ضعف يستغلها الغاشمون.