في نوفمبر من العام نفسه، افتتح الملك سعود دار الكتب السعودية في حي الملز. والمصادر التي وثقت هذه المحطة تضع المطالبة والافتتاح ضمن سياق حاجة العاصمة المتنامية إلى المعرفة. لذلك، فإن نسبة إنشاء المكتبة إلى مقال واحد تحتاج حذرًا، بينما تظل مساهمة العمران في طرح الفكرة ومتابعتها شاهدًا على دور الصحافة في التعبير عن احتياجات المجتمع، واقتراح مؤسسات تخدمه.
رحل العمران في العاشر من أكتوبر 2026، واستعادت أخبار وفاته مكانته بوصفه أول رئيس تحرير لصحيفة «الرياض». ولد في الرياض عام 1352هـ، الموافق نحو 1933، وتخرج ضمن أول دفعة في كلية اللغة العربية عام 1377هـ. وبين الميلاد والرحيل امتدت تجربة جمعت الصحافة والبحث الأدبي والشعر والعمل الحكومي، وأتاحت له الاقتراب من أسئلة الثقافة وشؤون الحياة العامة.
تكشف بداياته البحثية عن صلة مبكرة بين الصحيفة والكتاب. فقد كتب أكثر فصول «من أعلام الشعر اليمامي» بين عامي 1372 و1375هـ، ونشرها في «اليمامة» قبل جمعها. تناول شعراء ارتبطوا بالإقليم، من بينهم الأعشى وجرير والعباس بن الأحنف ومروان بن أبي حفصة. وهكذا وصلت المادة الأدبية إلى القارئ على مراحل، ثم اجتمعت في كتاب يتيح مراجعتها والاستفادة منها.
هذه التجربة تستحق القراءة اليوم، ونحن نبحث عن وسائل لحفظ الإنتاج الصحفي وإطالة عمره. فالمقال الذي يرتبط ببحث ومعرفة يمكن أن يصبح فصلًا في كتاب، أو مادة في أرشيف، أو مدخلًا لدراسة. وقد تعيننا تجربة العمران على مراجعة ما تنشره صحفنا، واختيار المواد التي تستحق الجمع، مع تحريرها وتوثيقها وإتاحتها للباحثين والقراء.
في رأي صحفي قديم أعادت «الجزيرة» نشره ضمن صفحة «زمان الجزيرة» عام 2004، فضّل العمران الزوايا القصيرة والكتابة المركزة، وتحفظ على الكتابات اليومية المطولة، وأكد تشجيع الكتّاب ومحاسبتهم على جودة الإنتاج. رأي يدعو إلى التفكير في مقدار ما تضيفه الكلمات إلى الموضوع، وفي قدرة الكاتب على تقديم فكرته بوضوح. والاختصار بهذا المعنى عمل تحريري يتطلب معرفة واختيارًا واحترامًا لوقت القارئ.
أما في سنواته الأخيرة، فقد وصفته «الرياض» في لقاء صحفي منشور بأنه يقضي يومه بين القراءة والتأليف في مكتبته المنزلية. تفصيل يعيدنا إلى مطالبته الأولى بدار الكتب؛ فالكتاب حاضر في شبابه بوصفه حاجة عامة، وحاضر في عمره المتقدم بوصفه رفيقًا يوميًا. ومن هذه الصلة يمكن فهم جانب من استمراره في البحث والكتابة.
خصصت نشرة «جسور»، الصادرة عن مركز حمد الجاسر الثقافي، ملفًا للعمران، عرضت فيه أربعة من كتبه وشهادات لعدد من الأدباء والباحثين. وتتيح هذه المبادرة أساسًا لعمل أوسع يجمع مقالاته، ويفهرس موضوعاتها، ويثبت تواريخ نشرها وصفحاتها، ويربطها بمؤلفاته. كما يمكن أن تشارك أسرته والمؤسسات التي عمل معها في توفير الوثائق والمراسلات التي تساعد على كتابة سيرته بدقة.
وتبدأ المهمة بحصر المواد المتاحة، ومقارنة بياناتها، وتصحيح ما وقع في تداولها من اختلاف، ثم إعداد فهرس واضح يرشد القارئ إلى النص الأصلي ومكان نشره، ويعين على دراسته وفهمه.
استذكار عمران العمران يمنحنا فرصة للعناية بذاكرة الصحافة السعودية، وبالتجارب التي شاركت في تأسيسها. وأقرب الوفاء إلى اهتماماته أن يجد القارئ طريقًا ميسرًا إلى إنتاجه، وأن يدرس الباحث أفكاره في سياقها، وأن يتعرف الصحفي الشاب إلى الكاتب الذي رأى حاجة مدينته إلى مكتبة، فكتب عنها وعاد يطالب بها.
رحم الله عمران العمران، وجزاه عن وطنه وصحافته وثقافته خير الجزاء.