للسعودية من أسباب القوة ما يتجاوز قدرتها على مواجهة المعتدين؛ فقد أصبحت قدرتها على بناء المستقبل جزءا لا يتجزأ من معنى سيادتها، ومن الأسباب التي تجعل الدفاع عنها مسؤولية تزداد مع كل منجز يرتقي بحياة أبنائها ويعزز مكانتها بين الأمم. ففي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وبمتابعة وتوجيه سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله، أعادت المملكة ترتيب علاقتها بمقدراتها، فتعددت فرص الإنسان، وتقدمت طموحات الاقتصاد والمعرفة والتقنية، وتعزز حضورها الدولي، وبقي القرار السعودي نابعا من مصالح وطن يعرف ما يملك وما يريد أن يصنع. ولعل قيمة الدفاع عن السعودية تبدأ من إدراك أن أمنها يحمي تاريخا من الوحدة والسيادة، وحاضرا تتعدد مكتسباته، ومستقبلا مشرقا تتسع فيه آفاق أبنائها، وتتضاعف فرصهم في تحقيق طموحاتهم، ويصبح ما كانت تتطلع إليه الأجيال واقعا تعيشه وتشارك في صناعة ما بعده.

أعادت الاعتداءات الحوثية على الرياض وعسير وجازان ونجران إلى الذاكرة الوطنية ما تتطلبه حماية هذه الحياة من يقظة وقوة ومسؤولية. طالت الهجمات مرافق مدنية، وأزهقت أرواحا، وأصابت مواطنين ومقيمين وزائرين لم يكن لهم شأن بقرار الحرب. وكان بين ضحايا مطار الملك خالد الدولي المفتي البنغلاديشي محمد نصر الله بدربوري، الذي غادر بلاده قاصدا العمرة، فاعترض العدوان رحلته قبل بلوغ وجهته. وما أشد دلالة أن يأتي الإنسان من أقاصي آسيا قاصدا أرض الحرمين الشريفين، ثم تنتهي حياته بفعل سلاح يزعم أصحابه الدفاع عن قضايا المسلمين. ولم تكن مأساته استثناء من حرمة الدماء الأخرى؛ فالسعودية التي يقصدها المسلم للعبادة ويعيش فيها المقيم ويعمل فيها المواطن، تجمع هؤلاء جميعا في مسؤولية واحدة عن أمن الإنسان وكرامته.

المتأمل في الخطاب الحوثي يجد أن الجماعة تحاول اكتساب مشروعية سياسية من خلال الطريقة التي تسمي بها أفعالها. فهي تتحدث باسم اليمن، وتستعير مفردات الدفاع والسيادة، حتى يبدو قرارها العسكري امتدادا لإرادة شعب بأكمله. وحين يتغير اسم الفاعل في الرواية، تتغير معه صورة المسؤولية؛ إذ يصبح فعل الجماعة فعلا وطنيا، ويغدو الاعتراض على اعتداءاتها، وفق منطقها، اعتراضا على اليمن نفسه. لكن اليمنيين أكبر من سلطة الحوثي، ولا تمنح السيطرة على بعض الأرض حق الحديث باسم شعب كامل أو تقرير علاقاته بجيرانه.


للقوة السعودية في خطابها الرسمي منطق يستحق التأمل؛ فالمصالح المراد حمايتها تتقدم على هوية المعتدي، وتتجاور مفردات الجاهزية والردع مع السيادة والاستقرار والازدهار. وتلك صياغة تحدد الغاية من القوة قبل الحديث عن استخدامها، وتربط استقلال القرار بمسؤولية الدولة عن أمنها ومصالحها. فالمملكة التي تبني شراكاتها وتحفظ سيادتها، وتستثمر في الإنسان والاقتصاد، تعرف أن حماية المستقبل تستلزم قدرة منظمة لا تنتظر وقوع الخطر حتى تبدأ الاستعداد له.

يمتد هذا الفهم إلى الموقف السعودي من اليمن؛ فمواجهة الحوثي لا تعني خصومة مع الشعب اليمني، والدعم الاقتصادي والإنساني الذي تقدمه المملكة يرتبط أيضا بمصلحتها في جوار يستعيد استقراره ومؤسساته. أما البحر الأحمر وباب المندب، فإن أمنهما يتجاوز الجغرافيا اليمنية إلى التجارة والطاقة ومصالح العالم، بما يجعل استعادة الدولة اليمنية قرارها ضرورة تتصل باستقرار المنطقة ومستقبل شعوبها.

وكيف لا ندافع عن سعوديتنا، وقد أصبح الدفاع عنها دفاعا عن حقها في أن تختار مستقبلها، وعن حياة أبنائها ومن يقصد أرضها آمنا، وعن دولة صنعت من مقدراتها أسبابا متجددة للقوة والحضور؟

عظمة السعودية لا تنتظر عدوانا ليشهد لها، ولا تستعير مكانتها من خصومة عابرة؛ فتاريخها أسبق، ومشروعها أبقى، وقرارها سعودي دائما وأبدا.

أبلغ ما نقدمه لوطننا أن يرتقي خطابنا إلى مستوى ما حققته السعودية من مجد وإنجاز، وأن يعكس وعينا ما بلغته من قوة ومكانة، وأن يكون دفاعنا عنها امتدادا لاعتزازنا بتاريخها وثقتنا بقيادتها وإيماننا بالمستقبل الذي تصنعه لأبنائها.