في أحد المحافل العلمية خارج الوطن، قالت لي سيدة إن السعودية تجني موارد كبيرة من الحج والعمرة. فأجبتها بأن ما يُقدم لخدمة الحجيج والمعتمرين يفوق في حجمه، ميزانيات بعض الدول، لتسهيل أداء المناسك على الناس، رعاية صحية وتنظيمية تنوء بها عامة البلدان. لم تكن إجابتي دفاعًا عن رقم أو مورد، بل تذكيرًا بأن وراء هذه الجهود مسؤوليةً عظيمة، وشرفًا تحمله المملكة كل عام تجاه ضيوف الرحمن.
لا تقف عطاءات السعودية عند خدمة الحجاج. ففي مسيرتها حضورٌ في بناء البلدان العربية، ومواقف سخية تجاه دول العالم الإسلامي، ومبادرات إنسانية تمتد إلى شعوب كثيرة. قد لا يعرف بعض الناس تفاصيل هذه الجهود، لكن أثر العطاء يصل إلى أماكن بعيدة، ويترك في النفوس حكايات لا تختصرها عناوين عابرة.
أما حبي لوطني، فقد بدأ من الدهشة، أتذكر أنني في سنواتي الأولى بكلية الطب قلت لأبي: (تخيل، كل واحد فينا عنده مجهر في مختبر علم الأنسجة). كانت تلك التفاصيل الصغيرة تفتح عينيّ على ما أُتيح لنا من تعليم وإمكانيات، ثم أخذت أرى نعمًا أخرى حولي، فكلما تأملتها ازداد انتمائي، وكبر حبي للوطن الذي أتاح لي أن أتعلم وأحلم وأمضي في طريقي.
في دراسة الطب، نتعلم التشريح على جثامين تُهيأ لنا وفق الأنظمة، فنقف أمامها بامتنان واحترام، وندرك أن خلف كل فرصة تعليمية منظومة تحفظ الكرامة وتتيح للعلم أن يتقدم. وفي أماكن أخرى، قد يضطر الطلاب إلى شراء عظام وجثث الموتى المسروقة من القبور، لنقص الجثامين المتاحة للتعليم، هنا، يرقد الموتى في قبورهم مطمئنين، ويمضي الأحياء في حياتهم آمنين، كم في هذا المشهد من نعمة قد نعتادها حتى لا نلتفت إليها!
الأمن ليس كلمةً تُقال في المناسبات، إنه تفاصيل يومنا العادي، نذهب إلى أعمالنا، ونعود إلى بيوتنا، ونحتسي قهوة المساء في أفنية منازلنا أو على أسطحها، لا نختبئ في أقبية المنازل، علمتنا الصحراء أن الجحور للجبناء، وأن السماء أقرب بلا أسقف، فنرفع أيدينا مع كل أذان داعين الله أن يديم على بلادنا أمنها. قد يكوّن البعض صورةً عنّا الآن، لا تشبه حياتنا، ويتخيلون أن الخوف يرافق كل خطوة، بينما الواقع أن السكينة هي طابعنا، وأن الدعاء بأن يجعل الله هذا البلد آمنًا تردده قلوبنا قبل ألسنتنا.
الشعب السعودي، بكل أطيافه و تنوعه الإجتماعي، يعرف معنى الوطن، لأنه رأى كيف انتقل الناس من زمن التناحر وتشتت المصير إلى وطن يجمعهم، ومسيرةٍ تصنع مستقبلًا، ومجدٍ يسعى أبناؤه إلى حفظه، الوطن في وجداننا ليس أرضًا نعيش عليها، بل حكاية أمان وعز.
من الدهشة إلى الحب، هكذا كبرنا مع وطننا، فالطفل يحب ما يثير دهشته، ونحن منذ الصغر أدهشتنا تفاصيل بلادنا، اسمها الذي نعتز به، أرضها التي نعرفها، ورايتها الشامخة أينما توجهنا، كبرنا ونحن نعشقها، ونتنفس هواها.
حين أتأمل هذه النعم، أفهم أن حب الوطن ليس شعارًا نردده، بل هو وعي بما نملك، وامتنانٌ لما نعيشه، ومسؤوليةٌ في المحافظة عليه، نحن نحب السعودية، لأنها وطن الدهشة الأولى، وموطن الأمن والسكينة، وحكايةٌ كبرت معنا وما زالت تكبر فينا، حبٌ نورثه لأبنائنا كما ورثناه عن آبائنا... «وطني الحبيب، وهل أحب سواه؟».