هذه الفجوة بين نية العطاء ومصير التبرع تثير التساؤل حول مصير التبرعات العينية الفردية المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ودور الوسطاء وحدود مسؤوليتهم، ومدى قدرة المتبرعين على تتبع ما يقدمونه، في وقت تمثل فيه إعادة بيع الأثاث المستعمل نشاطًا مشروعًا لبعض الجهات الخيرية التي توظف عوائده لدعم مستفيديها.
وتكشف مثل هذه المفارقات عن إشكالية لا تتعلق ببيع الأثاث في حد ذاته، وإنما بوضوح مسار التبرع ومصير عوائده، والتمييز بين المبادرات الخيرية المنظمة والتصرفات الفردية التي تفتقر إلى الشفافية، بما يحفظ ثقة المتبرعين ويضمن وصول قيمة مساعداتهم إلى مستحقيها.
معروض للبيع
تروي أفراح أحمد تجربة أثارت استغرابها، بعدما تبرعت بقطع من الأثاث المنزلي رغبةً في مساعدة أسر محتاجة، قبل أن تفاجأ بوجود الأثاث نفسه معروضًا للبيع في أحد أسواق المستعمل بالدمام.
وتوضح أن تبرعها جاء ابتغاء الأجر والثواب، وتخفيفًا للأعباء عن الأسر المحتاجة، وأنها كانت تتوقع وصول الأثاث مباشرة إلى من يحتاج إليه، إلا أن ظهوره في السوق دفعها إلى التساؤل عن دور الوسيط الذي تولى استلامه ونقله، وكيفية التصرف فيه بعد مغادرته منزلها.
ورغم ما أثارته الواقعة من شكوك، لم تتمكن أحمد من التحقق من الجهة التي عرضت الأثاث للبيع، أو معرفة ما إذا كان قد انتقل إلى مستفيد ثم تصرف فيه، أو بيع ضمن ترتيبات لم تكن على علم بها، منوهةً بأن هذه التجربة تعتبر مؤشراً على صعوبة تتبع بعض التبرعات الفردية، دون أن تشكل دليلًا قاطعًا على وقوع استغلال.
البيع لا يعني الاستغلال
من جانبه، أوضح نادر الحميدان، المشرف التطوعي على حملات تجميع في مشروع لإعادة التدوير، أن ظهور الأثاث المتبرع به في أسواق المستعمل لا يعني بالضرورة وقوع تجاوز، فقد يكون البيع جزءًا من آلية معلنة لإعادة تدوير التبرعات وتوجيه عوائدها إلى المستفيدين، أو تصرفًا من شخص انتقلت إليه ملكية الأثاث.
وأشار إلى أن احتمالات الاستغلال تظل قائمة عندما تغيب المعلومات عن هوية الجهة المستلمة، وطبيعة التصرف في التبرع، والوجهة النهائية للعوائد، لافتًا إلى أن المبادرات الفردية المنتشرة عبر مجموعات التواصل الاجتماعي، رغم دورها في تسريع الاستجابة لاحتياجات الأسر، قد تعتمد على الثقة الشخصية دون وجود مستندات تثبت الاستلام والتسليم.
وأكد الحميدان أهمية تطوير وسائل مبسطة لتوثيق التبرعات العينية، تبدأ بالتعريف بالجهة المستلمة والغرض من التبرع، وإثبات عملية الاستلام، وصولًا إلى تأكيد التسليم للمستفيد، أو إيضاح آلية إعادة البيع عندما تكون جزءًا من مشروع خيري معلن.
وأضاف أن هذه الإجراءات ينبغي ألا تتحول إلى عائق أمام المبادرات الإنسانية أو تؤخر وصول المساعدة إلى المحتاجين، بل تسهم في حماية حقوق المتبرعين والمستفيدين، وتعزيز الثقة في العمل الخيري.
استثمار الفائض
وفي مقابل المخاوف من المتاجرة بالتبرعات، تبرز نماذج لجمعيات أهلية سعودية تبنت مشروعات منظمة لإعادة استخدام الأثاث والمستلزمات المنزلية الفائضة عن الحاجة؛ من بينها مشروع "الاستهلاك الذكي" التابع لجمعية العطاء النسائية الأهلية بالقطيف، الذي يستقبل المستلزمات المنزلية الصالحة للاستخدام ويعيد بيعها بأسعار رمزية، مع تخصيص عوائدها لدعم برامج الجمعية ومستفيديها.
كما تنفذ جمعية أعمال بالرياض مشروع "ميسور"، الذي يجمع الأثاث والملابس والأجهزة المستعملة، ويعيد تأهيلها لتوزيعها على المحتاجين أو بيعها وتوجيه عوائدها للأعمال الخيرية. ويبرز كذلك برنامج "نميها لا ترميها"، الذي سبق إدراجه في منصة (تبرع بأمان) التابعة للمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، ضمن مبادرات إعادة تدوير الأثاث والاستفادة من الفائض.
وعكست هذه النماذج دوراً مهماً يبين أن بيع التبرعات العينية لا يمثل بحد ذاته دليلًا على الاستغلال، وإنما تتحدد سلامة الممارسة بوضوح الغرض المعلن للتبرع، والإجراءات النظامية، وآليات التصرف في المقتنيات وعوائدها.
ضوابط نظامية
على الصعيد التنظيمي، وضع نظام جمع التبرعات السعودي إطارًا لضبط عمليات جمع التبرعات النقدية والعينية، إذ نصت المادة الثانية على قصر جمع التبرعات على الجهات المرخص لها، فيما ألزمت المادة الرابعة تلك الجهات بتوثيق التبرعات العينية بإيصالات متسلسلة الأرقام، وتسليم المتبرع نسخة منها.
وأوجبت المادة العاشرة تقديم تقرير مالي مفصل للجهة المرخِّصة خلال 15 يومًا من انتهاء حملة جمع التبرعات، يتضمن التبرعات النقدية والعينية، بينما حظرت المادة الحادية عشرة صرف التبرعات في غير الأغراض التي جُمعت من أجلها إلا بموافقة الجهة المرخِّصة، مع مراعاة شروط المتبرع.
وعززت اللائحة التنفيذية لنظام جمع التبرعات لعام 2026 هذه الضوابط؛ حيث تناولت المادة الثالثة اشتراطات التعامل مع التبرعات العينية، بما يتناسب مع طبيعتها ونوعها وصلاحيتها، فيما اشترطت المادة الرابعة موافقة الجهة المرخِّصة على جمع التبرعات العينية خارج المقر الرئيس أو الفروع.
كما نظمت المادة الحادية عشرة الاستعانة بجهات أخرى للدعوة إلى جمع التبرعات نيابة عن الجهات المرخصة، فيما تناولت المادة الثانية عشرة إجراءات تغيير أوجه صرف التبرعات والتعامل معها عند تعذر صرفها في الغرض المحدد، فيما تحدد هذه الأحكام مسؤوليات الجهات المرخصة في جمع التبرعات وتوثيقها والتصرف فيها.