ثقل مأرب
تشكل مأرب أبرز نقاط التحول في العملية الجارية. فبحسب تحليل «ACLED»، هي الجبهة التي حققت فيها القوات الحكومية تقدماً أكثر استمراراً مقارنة ببقية المحاور، مستفيدة من العمليات الأخيرة في مديرية مجزر شمالاً والتحركات في محيط حريب جنوباً، بما يعكس توجهاً نحو توسيع الضغط على مواقع الحوثيين من اتجاهات متعددة. وتزداد أهمية المحافظة بحكم موقعها المتصل بالمناطق المؤدية إلى صنعاء وكونها مركزاً اقتصادياً وعسكرياً للحكومة. ومن شأن استمرار التقدم هناك أن يفرض على الحوثيين إعادة توزيع قواتهم وتعزيزاتهم، ويضاعف الضغط على خطوط إمدادهم ومواقعهم الدفاعية.
صراع القمم
على الجبهة الغربية أعادت العملية الاعتبار العسكري للمناطق المحيطة بباب المندب وذوباب والساحل الغربي. فقد استعادت القوات الحكومية، بمساندة ألوية العمالقة، مواقع استراتيجية في المرحلة الأولى، قبل أن تتحول المواجهات إلى معارك أشد تعقيداً حول خطوط الدفاع الحوثية. وتشير تحليلات «ACLED» إلى أن التقدم الأولي واجه مقاومة متزايدة، ما يجعل استكمال العمليات مرهوناً بتنسيق أكبر بين الوحدات البرية والإسناد الجوي. وتبرز المرتفعات المطلة على الممرات الساحلية بوصفها مواقع تتحكم في حركة القوات والإمدادات. أما في تعز، فتتواصل المعارك على محاور جبل هان والضباب والشقب والأقروض، وسط محاولات حكومية لتثبيت المواقع الدفاعية وصد الهجمات الحوثية، في مشهد يؤكد أن السيطرة على التضاريس الحاكمة باتت أهم من اتساع الرقعة الجغرافية.
عقدة القيادة
تحدد دراسة «ACLED» جملة تحديات أمام القوات الحكومية، أبرزها تعدد التشكيلات العسكرية واختلاف هياكل القيادة، في مقابل منظومة حوثية أكثر مركزية. وبحسب الدراسة، فإن الدعم العسكري والمالي الذي تتلقاه الحكومة لا يكفي وحده لتحقيق نصر سريع ما لم يقترن بتحسين التنسيق العملياتي ورفع كفاءة الوحدات المقاتلة. ويضيف التحليل أن الحوثيين طوروا خلال السنوات الماضية قدراتهم في الصواريخ والطائرات المسيّرة وأساليب الحرب غير التقليدية، وبنوا منظومة دفاعية تقوم على التحصينات والمواقع الجبلية. وفي المقابل، تتيح العمليات الجوية المكثفة للحكومة استهداف مراكز القيادة ومستودعات السلاح وخطوط الإمداد، وتبلغ فاعليتها ذروتها حين تتزامن مع تقدم بري منظم يؤمّن المواقع المستهدفة ويمنع استعادتها.
طرق المستقبل
تفتح المعطيات ثلاثة مسارات محتملة، وهي صياغة تحليلية مستخلصة من المعطيات وليست تصنيفاً حرفياً في دراسة «ACLED». الأول تقدم حكومي تدريجي في مأرب والساحل الغربي يمتد إلى مواقع حوثية أكثر أهمية. والثاني انزلاق إلى حرب استنزاف طويلة تعتمد على الضربات الجوية والمدفعية والهجمات المحدودة دون تغيرات جغرافية واسعة. أما الثالث فتحول عسكري أكبر إذا نجحت الحكومة في توحيد قيادتها الميدانية وفتح محاور متزامنة تستنزف الاحتياطيات الحوثية وتضعف قدرتها على المناورة. وتؤكد الدراسة أن الهزيمة العسكرية الكبيرة للحوثيين لا تبدو قريبة، لكنها ترجح في المقابل أن توقف العمليات الحكومية أمر غير مرجح في المدى القريب.
امتحان الاستدامة
يتجاوز اختبار «فجر اليمن» حسابات السيطرة المباشرة على المدن والمرتفعات إلى سؤال الاستدامة: هل تستطيع القوات الحكومية الاحتفاظ بالمواقع المستعادة، وتأمين خطوط إمدادها، وتنسيق عملياتها بين الجبهات؟ وفي المقابل تواجه الجماعة الحوثية ضغوطاً متزايدة مع اتساع المواجهات واستمرار استهداف مواقعها العسكرية. وبين مكاسب مأرب ومعارك تعز والساحل الغربي، تتشكل مرحلة جديدة قد لا يحسمها سرعة التقدم، بل القدرة على إدامة العمليات وتفكيك المنظومة الدفاعية الحوثية تدريجيا.