يعمل أكثر من 8 آلاف سعودي وسعودية من حملة الدكتوراه في القطاع الخاص، وفق البيانات السعودية للربع الأول من عام 2026، بواقع 5.150 رجلا و3.191 امرأة، فيما كشفت أحدث إحصاءات سوق العمل الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء للربع الثاني من العام نفسه، أن حملة الدكتوراه يمثلون نحو 1.1% من إجمالي المشتغلين السعوديين.

حضور المؤهلات العلمية العليا في سوق العمل، ليس بالضرورة أن يكون في نطاق الوظائف الأكاديمية التقليدية كمحاضر أو أستاذ جامعي، بل قد يتجاوزها لنطاقات أخرى تعليم، هندسة، إدارة أعمال، لتفتح بذلك أفقاً أوسع عن مدى استفادة المؤسسات من الخبرات البحثية لحملة الدكتوراه في تطوير الأداء والابتكار وحل المشكلات، في مقابل احتمالات بقاء بعض هذه المؤهلات دون استثمار يتناسب مع قيمتها العلمية، أو دون انعكاس ملموس على المهام والمسؤوليات الوظيفية.

قيمة المعرفة


عن ذلك أوضح الباحث والمهندس الحاصل على الدكتوراه وصاحب براءة اختراع في مجال الحاسوب، الدكتور محمد هويدي، أن قيمة الدكتوراه لا تقاس بمكان العمل، سواء داخل الجامعة أو خارجها، وإنما بما تضيفه المعرفة العلمية إلى الأداء والنتائج، مشيرا إلى أن المهارات المكتسبة خلال الدراسات العليا لا تقتصر على التدريس والبحث الأكاديمي.

وبيّن أن الدكتوراه تمنح صاحبها قدرات متقدمة في التحليل وفحص الفرضيات وتقييم الأدلة والتعامل مع المشكلات المعقدة، وهي مهارات يمكن توظيفها في الهندسة والإدارة والتقنية والاقتصاد والصناعة، وتظهر قيمتها عندما تسهم في رفع الكفاءة وخفض التكاليف وتحسين القرارات وتطوير العمليات.

مؤهلات غير مستثمرة

وأشار هويدي إلى أن بعض المؤسسات قد تستقطب أصحاب مؤهلات علمية متقدمة، دون أن تتيح لهم فرصا كافية للاستفادة من قدراتهم البحثية، فتستمر في تكليفهم بمهام تقليدية لا تتناسب بالضرورة مع معارفهم، نتيجة غياب آليات واضحة لاستثمار الكفاءات أو جمود الهياكل التنظيمية.

وفي المقابل، أكد أن المسؤولية لا تقع على المؤسسات وحدها، إذ قد يحصل بعض الأفراد على الدكتوراه دون أن يتمكنوا من تحويل المعرفة النظرية إلى حلول عملية، موضحا أن التفوق الأكاديمي لا يعني تلقائيا التفوق في الإدارة أو التطبيق، وأن الشهادة وحدها لا تكفي لإثبات الكفاءة المهنية.

الشهادة والترقية

وفيما يتعلق بانعكاس الدكتوراه على المسار الوظيفي، رأى هويدي أن الحصول على مؤهل علمي متقدم لا يمنح صاحبه استحقاقا تلقائيا للترقية، نظرا إلى أن المسؤوليات المهنية تتطلب خبرات ومهارات تتجاوز التحصيل الأكاديمي.

لكنه شدد على أن تجاهل المؤهلات المرتبطة باحتياجات المؤسسة قد يحرمها من فرص التطوير، مؤكدا أهمية اعتماد الكفاءة الفعلية ومدى ارتباط التخصص بطبيعة العمل والقدرة على توظيف المعرفة معايير للاستفادة من أصحاب المؤهلات العليا.

الدكتوراه بعد التقاعد

وكشف هويدي أن تجربته الشخصية مع الدكتوراه بدأت بعد تقاعده، ولم تكن مرتبطة بالحصول على وظيفة أو منصب، وإنما برغبته في تطوير طريقة تفكيره وتعميق قدراته على التحليل والنظر إلى المشكلات من زوايا مختلفة.

وأوضح أن الدراسة أسهمت في تعزيز اهتمامه بالمنهجية العلمية وفحص الأفكار والافتراضات والتمييز بين الاعتقاد والمعرفة، مؤكدا أن قيمة التعليم العالي لا تقتصر على العائد الوظيفي أو المادي، بل تمتد إلى النمو الفكري وتحسين القدرة على اتخاذ القرارات.

واعتبر أن التقاعد لا يعني نهاية رحلة التعلم، بل قد يمثل بداية مرحلة جديدة من التطور المعرفي، وأن بعض الدراسات لا تغير ما يعرفه الإنسان فحسب، وإنما تغير الطريقة التي يفكر بها.

مسؤولية مشتركة

وأكد هويدي ضرورة التمييز بين ما تضيفه الدكتوراه إلى صاحبها، وما يمكن أن تضيفه إلى المؤسسة، وما قد يترتب عليها من تغيير في مسؤولياته ومكانته الوظيفية، مبينا أن هذه الجوانب لا تتحقق بالضرورة في الوقت نفسه.

وشدد على أن تحويل المؤهلات العليا إلى قيمة مؤسسية يتطلب بيئة عمل تتيح توظيف المعرفة، إلى جانب قدرة صاحب المؤهل على تقديم حلول قابلة للتطبيق وقياس أثرها، لافتا إلى أن الدكتوراه قد تكون إنجازا شخصيا مهما حتى دون مردود وظيفي.

واختتم بالتأكيد على أن الشهادة تثبت بلوغ صاحبها مستوى متقدما من التحصيل العلمي، بينما تكشف النتائج العملية مدى استفادته مما تعلمه، مشيرا إلى أن المسؤولية مشتركة بين الفرد والمؤسسة في تحويل المعرفة إلى إنجاز.