مع دخول الحرب شهرها الـ9، تتجه المواجهة الأمريكية- الإيرانية إلى معادلة أكثر حدة، إذ لم يعد الحصار البحري أداة ضغط مساندة، بل صار جوهر الاستراتيجية الأمريكية تجاه طهران. وتكشف آخر المعطيات أن الاستنزاف بلغ بنية الحرس الثوري ومنظومة تمويله الإقليمية، بينما يتمسك الرئيس الإيراني بخطاب منفتح على الحوار ورافض للإكراه. وبين رهان أمريكي على انهيار القدرة المالية وتحضيرات عسكرية لاستئناف العمليات الكبرى، تقف المنطقة أمام ضغط قد يقرب التسوية إذا أحسن توظيفه، ويفتح باب التصعيد إذا فُسّر إذلالا.

ورقة المضيق

يبقى مضيق هرمز آخر ساحات النفوذ التي تملكها طهران. فرغم تصاعد الهجمات الإيرانية على السفن، وهو ما تعزوه واشنطن إلى حالة «يأس» داخل الحرس الثوري، يؤكد قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر أن الملاحة مستمرة، إذ عبرت المضيق نحو 400 سفينة تجارية و100 مليون برميل نفط خلال أسبوع واحد. وتقول القيادة إن الكميات التي نُقلت بمساندة أمريكية منذ اندلاع الحرب تجاوزت 1.3 مليار برميل، فيما قُتل أكثر من 20 بحارا مدنيا في الهجمات. وتعني هذه الأرقام أن إيران خسرت ورقة الإغلاق الكامل، لكنها احتفظت بقدرة الإزعاج التي تكفي لإبقاء أسواق الطاقة تحت القلق.


نزيف مالي

في المقابل، يتسع الاستنزاف داخل الاقتصاد الإيراني. فقد أعلن كوبر أن الحصار حال دون تصدير نفط إيراني بقيمة 25 مليار دولار على الأقل، وأن واشنطن أسهمت في تجميد نحو 350 مليون دولار من الأصول المشفرة. وتتقاطع هذه الحصيلة مع تقارير تفيد بأن صادرات الخليج الجديدة توقفت تقريبا، وأن طهران باتت تعتمد على مخزونات عائمة متناقصة تعود إلى ما قبل إعادة فرض الحصار في يوليو.

انقلاب التمويل

الأخطر في المشهد أن اتجاه التدفق المالي انعكس. فالجماعات المرتبطة بإيران، من حزب الله إلى حماس والفصائل العراقية، باتت وفق الرواية الأمريكية تعيد أموالا إلى الحرس الثوري بعد سنوات من الاعتماد على تمويله. وتضيف واشنطن أن الحكومة الإيرانية تحجب رواتب ومعاشات موظفي القطاع العام، بمن فيهم عناصر الأمن الداخلي والحرس نفسه. ورغم ذلك تبقى هذه المعطيات روايات أمريكية يصعب التحقق منها بشكل مستقل، وإن كانت تعكس اتجاه الضغط وأهدافه.

حوار مشروط

سياسيا، جدد الرئيس مسعود بزشكيان استعداد بلاده للحوار مع التأكيد أنها لن تنحني للإكراه، واتهم واشنطن بالسعي إلى إشعال احتجاجات داخلية. وتبقى الفجوة قائمة، إذ تشترط طهران إنهاء الحصار قبل أي مفاوضات، بينما تصر واشنطن على إدراج الملف النووي ضمن أي صفقة، في وقت لم تحقق فيه جهود الوساطة، وفي مقدمتها الباكستانية، اختراقا حاسما.

معادلة المرحلة

نجح الحصار في تضييق الموارد، لكن نجاحه السياسي يتوقف على قدرة واشنطن على تحويل الضغط إلى مخرج تفاوضي لا إلى مواجهة مفتوحة. فالنظام الذي يحجب الرواتب ويعاني شح التمويل لا يزال يملك قدرة الإيذاء البحري، والاستعداد لاستئناف القتال يرفع كلفة الخطأ على الجميع، وفي مقدمتهم دول الخليج وأسواق الطاقة.