المثقف – من وجهة نظري - هو إنسان صادق جداً إلى حد انقطاع الشعرة أحياناً بين الشجاعة والحمق، والصدق عند تفكيكه عبارة عن معلومة وخبر، فمن المعلومات أن الماء يغلي عند مئة درجة مئوية، والخبر ينقله المثقف لك بثقة، والوصف بالحماقة سببه هذا الضمير المثقف الحساس بأهمية الصدق مع الذات إلى درجة تجعله يبحث عنك – إلى آخر الدنيا - ليخبرك أن معلومته ليست دقيقة لأن الماء في المرتفعات العالية يغلي عند حرارة أدنى، قرابة اثنتين وتسعين درجة مئوية، بسبب فارق الضغط، وقد اخترت مثال الغليان لأنه أكثر الأمثلة حياداً وأقلها إثارة لسوء الفهم.
لكن صدق المعلومة غير صدق الإنسان، وهذا ما عشته من التماهي الأليم مع فيلم نوري بيلجي جيلان التركي «سبات شتوي/ Winter Sleep – 2014م»، وهو فيلم لا يناسب مدمني أفلام هوليوود التجارية، ولا يناسبني أنا أيضاً، فقد احتجت بعض الوقت لأتعافى منه، تعاتب نهال زوجها المثقف آيدن على برودته الفظة مع رجل فقير وابنه، فيشرح لها عن حياة الفقراء وكيف ينظرون إلى أنفسهم، كل واحد منهم يقول: «إن قدرنا الذي لا يرحم، هو ما يخيب أملنا في كل أعمالنا، كل صباح أتخيل كل الأمور الرائعة التي يمكنني فعلها، ولكني أقضي يومي كله هائماً على وجهي»، فتعاتبه بصدق: وماذا تريدهم أن يقولوا؟ فيجيبها بعبارة لشكسبير على لسان الملك ريتشارد: «إن الضمير ليس إلا كلمة يتداولها الجبناء، قصد بها أول الأمر أن تخيف الأقوياء، فليكن جيشنا القوي ضميرنا، والسيوف شريعتنا» راجعتها فوجدتها في مسرحية شكسبير - ريتشارد الثالث، الفصل الخامس: المشهد الثالث، ص 240 ترجمة د. عبدالقادر القط.
انتهى الفيلم الطويل المرهق نفسياً ولكني بقيت معلقاً عند كلمة «ضمير» كسؤال وجودي مقلق، فمنذ استوعبت فرويد وماركس صرت أرى الضمير «أنا عليا» تاريخية، تصنعها قوة سياسية في لحظة معينة، ثم تأتي قوة مضادة فتحرك بوصلة الضمير يميناً أو يساراً.
في تونس بعد الاستقلال صار نزع غطاء الرأس سياسة دولة يقودها الحبيب بورقيبة، الملقب بالمجاهد الأكبر، وفي إيران خرجت النساء في مارس 1979م ضد إلزامهن بالحجاب، ثم صار الإلزام قانوناً، كره الكثيرون ماضي الشاه، وتعلقوا بمستقبل أجاد الخميني تمثيله، حتى كتب ميشيل فوكو في تلك الأيام مبهوراً بما سماه «الروحانية السياسية» فأين صوت الضمير في هذا كله، بل أين المثقف؟!
لا أتخيل المثقف صاحب سيف، حتى الإسكندر المقدوني لم يطلب من أرسطو أن يحمل السيف، ومن تورط بالسيف من المثقفين تحول إلى سياسي، وهنا نتفهم العبارة التي نسبوها خطأ إلى غوبلز: (عندما أسمع كلمة ثقافة... أفك قفل الأمان عن مسدسي) فأصلها جملة في مسرحية «شلاغتر» 1933 لهانس يوست.
ومصداق العبارة يظهر في «المثقف السياسي» لأنه سر الخطر وليس «السياسي المثقف»، فالسياسي المثقف يسخر الأخيرة/الثقافة لصالح السياسة بمعناها السامي الرفيع، وهنا أقصد «الثوابت الوطنية الثلاث: السلطة السياسية، الشعب، الجغرافيا» أما «المثقف السياسي» فيسخر الأخيرة/السياسة لصالح الأنا المتورمة المتضخمة التي تجعله يرى أنه التاريخ والجغرافيا والشعب والسلطة، ولهذا كان القذافي نموذجا لغرور المثقف في الكتاب الأخضر، وعجرفة السياسي في حادثة لوكربي، وأبعد من القذافي في الجنون والخبل أولئك الذين ظنوا أنفسهم صوت الله في الأرض، وهؤلاء ليسوا مثقفين بل قادة سلاح، لكن حقيقة خبالهم تظهر عندما يتسلحون، مثل أسامة بن لادن والزرقاوي وجوزيف كوني قائد جيش الرب المسيحي... الخ، فلا أدركوا بلح السياسة الشامية، ولا عنب الثقافة اليمنية.
وهنا يفتح هايدغر باباً آخر، كمثقف بمرتبة فيلسوف، فينقل معركة الضمير من ساحة التاريخ والمنتصرين، إلى ساحة الوجود، فهو يرفض تماماً أن يكون الضمير قيماً يفرضها مجتمع أو غالب يقهر، ويرفض أيضاً أنه صوت إله، أو غريزة بيولوجية، ففي كتابه «الكينونة والزمان» يرى هايدغر الضمير بطريقة مذهلة ومختلفة، حيث إنه نداء يصدر من الدازاين إلى ذاته، يستدعيها من سقوطها في عالم «الهُم» نتحدث كما يتحدث الناس، ونلبس كما يلبسون، ونحاكي القيم لمجرد المحاكاة، وهذا عنده «اللا أصالة» أو الوجود الزائف، وهنا يأتي الضمير عند هايدغر ليس بصفته قاضياً يوبخك لأنك سرقت أو أخطأت، بل هو «نداء» فالمُنادِي هو أنت، والمُنَادَى هو أنت أيضاً، فهو نداء يصدر من أعمق أعماق ذاتك الحقيقية والمغتربة، ليوجه إلى ذاتك اليومية الغارقة في تفاهات المجتمع وتوجيهات القوة والمنتصرين. فالضمير هو استدعاء للوجود الأصيل ليصبح الضمير أداة تحرر فردية صارمة مع نفسها بعيداً عن المسبقات المفروضة بالقهر والغلبة منذ الطفولة وحتى مشيب العارضين، وما طرحته هنا اختزال بتصرف حسب فهمي المتواضع لما ورد عند هايدغر في «الكينونة والزمان» من ص 481 – 520 ترجمة: فتحي المسكيني.
أما عن انضمام هايدغر إلى الحزب النازي، فأرى أن نحفظ له حقه في خطأ الموقف لأنه بشر، كما نحفظه لسارتر مع الاتحاد السوفييتي ولفوكو مع إيران وصولاً إلى رجب بو دبوس مع القذافي، على ألا نخلط بين خطأ الموقف وأهمية الفكرة، لأننا لا نعلم هل كنا سنرى خطأ هايدغر لو انتصر هتلر؟! فإن كان الضمير صنيعة المنتصر فبأي حق نحاكمه؟ وإن كان نداءً مستقلاً – كما يقول - فلماذا لم يسمعه؟ فهل نقول كما قال القصيمي للعقل: أيها الضمير من رآك؟!.