حين تتحول نصرة فلسطين إلى مزايدة سياسية، وتُختزل القضية في الصواريخ والهتافات، يصبح تفكيك السردية ضرورة معرفية؛ فالعبرة ليست بضجيج الأقوال، بل بحصيلة الأفعال، ولا بكثرة الشعارات، بل بما يتحقق من حقوق وإنجازات.

تقوم سردية تمجيد الحوثيين وإيران وحلفائهما على تصوير المواجهة العسكرية بوصفها المعيار الأوحد لنصرة فلسطين، متجاهلةً الفرق بين دعم الشعب الفلسطيني وتمويل الفصائل المسلحة، وبين خدمة القضية وتوظيفها في الصراعات الإقليمية.

سياسيًا، تؤكد المملكة العربية السعودية تمسكها بإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وعدم إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل دون تحقيق هذا المطلب، وفق بيان وزارة الخارجية السعودية الصادر في 5 فبراير 2025؛ وهو موقف معلن يستند إلى المطالبة بالحقوق الفلسطينية.


وإنسانيًا، تُظهر البيانات المنشورة في منصة المساعدات السعودية أن إجمالي المساعدات المقدمة لفلسطين بلغ نحو 5.58 مليارات دولار، عبر 332 مشروعًا ومساهمة، شملت قطاعات إنسانية وتنموية متعددة. وفي المقابل، قدّرت وزارة الخارجية الأمريكية، في تقريرها عن الإرهاب لعام 2023، الدعم الإيراني المجمع للفصائل الفلسطينية المسلحة، ومنها حماس والجهاد الإسلامي، بما يصل إلى 100 مليون دولار سنويًا. ورغم اختلاف طبيعة الرقمين وفترتيهما، فإنهما يبرزان ضرورة التمييز بين المساعدات الإنسانية والتمويل العسكري.

عسكريًا، نقلت وكالة رويترز في 26 ديسمبر 2021 عن المتحدث باسم التحالف بقيادة السعودية، العميد تركي المالكي، أن الحوثيين أطلقوا باتجاه المملكة، منذ عام 2015 وحتى تاريخ التصريح، 430 صاروخًا باليستيًا و851 طائرة مسيّرة مسلحة. وفي المقابل، أعلن جيش الكيان في 9 يناير 2025 أن الحوثيين أطلقوا باتجاه إسرائيل، منذ أكتوبر 2023، نحو 40 صاروخًا و320 مسيّرة. ورغم اختلاف الفترتين، فإن هذه الوقائع تستدعي مساءلة السردية التي تختزل نشاط الحوثيين في مواجهة إسرائيل.

بل تعمق المفارقة إذا ما أضيف لها- الراعي الأول للحوثي- إيران. فقد أفادت وكالة الأنباء الأردنية «بترا»، في تقرير نشرته بتاريخ 26 مارس 2026، بأن إيران أطلقت 4.649 صاروخًا ومسيّرة باتجاه دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، مقابل 930 باتجاه إسرائيل، خلال الفترة من 28 فبراير إلى 25 مارس 2026. وبحسب هذه البيانات الرسمية، استحوذت الدول العربية على نحو 83% من المقذوفات المحصاة، مقابل نحو 17% لإسرائيل.

هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن تواجهه سردية الحوثي ومؤيديه: إذا كانت إسرائيل هي العدو المعلن، فكيف يُفسَّر هذا التفاوت؟ وهل تُقاس نصرة فلسطين بالشعارات المرفوعة، أم بمصير الإنسان الفلسطيني وما يتحقق له من أمن وحقوق وإعمار؟

تفكيك هذه السردية لا ينفي وقوع هجمات على إسرائيل، وإنما يرفض تحويلها إلى صك براءة من المساءلة أو احتكار لفضيلة النصرة. كما أن اختلاف الفترات الزمنية ومصادر الإحصاءات يقتضي قراءة الأرقام في سياقاتها، لا توظيفها خارج حدود دلالتها.

ففلسطين قضية حقوق لا سوق مزايدات، ونصرتها بحماية الإنسان وصون الأوطان، لا بضجيج البيان وإشعال النيران.