أعاد النقاش حول كتاب الدكتورة لطيفة الشعلان (الغريب: دراسة في الجهيمانية المهدوية) سؤالًا حول مراجعتنا للظواهر الدينية: ماذا يتغير في فهمنا حين تتسع أدوات قراءة بعض الظواهر الاجتماعية؟ الكتاب بحسب تعريف الناشر «يستند إلى علم النفس الوجودي في بحث تجربة جهيمان، ويصلها بسياقاتها التاريخية والاجتماعية». وتدعوني مناسبة صدوره إلى النظر في الإنسان الذي منح الأفكار معناها، وفي التفكير في الوجود الذي جعل تلك الأفكار قابلة للتصديق والتحول إلى فعل.

ومن هذه الزاوية أعود إلى مقالة كتبتها عام 2021 ولم تنشر حينها، حاولت فيها قراءة الصحوة بعدسة علم الاجتماع الثقافي. فمعرفة التنظيمات والقيادات والمواقف السياسية تترك سؤالًا مفتوحًا: كيف أصبح خطاب الصحوة جزءًا من تربية الأبناء، وتقدير الأشخاص، وتنظيم المدرسة، والحكم على الفنون والمظاهر اليومية؟ وكيف شارك المجتمع، بمؤسساته وعلاقاته، في إنتاج الظاهرة ومنحها قوتها؟

يهتم علم الاجتماع الثقافي بالمعاني التي يمنحها الناس لأفعالهم وعلاقاتهم: من المستقيم؟ ولمن تجب الطاعة؟ وما الذي يمنح الإنسان مكانته؟ تظهر هذه المعاني فيما يتعلمه الطفل عن الاحترام داخل البيت، وفي الصفات التي تمنح صاحبها الثقة، وفي الاختلاف الذي تقبله الجماعة أو تعاقب عليه. ومن خلال هذا المدخل نقرأ الكيفية التي تتحول بها الأفكار إلى ممارسات وسلطات تنظم علاقة الناس بعضهم ببعض.


وحجتي أن الصحوة - في صورتها السعودية - تشكلت داخل بناء اجتماعي واقتصادي وثقافي منح خطابها معناه وقابليته للانتشار.

وفي العلاقة بين شروط العيش والمعاني التي ينتجها الناس، تتكون صورة أو مخيال للحياة الصالحة، ثم تعود - تلك الصور- لتوجيه الواقع والحكم عليه. هنا جسدت الصحوة نموذجًا معرفيًا استنباطيًا، بينما يقوم منطق الدولة البيروقراطي في تنظيم الوسائل لتحقيق غاياتها عبر منطق استقرائي للواقع. ومن خلال التوتر بين المنطقين الاستنباطي والاستقرائي والتقائهما أقرأ جانبًا من التحول في المجتمع السعودي.

وأقصد بالثقافة الاستنباطية طريقة في النظر، تبدأ من مُثُل وقيم وتقاليد يؤمن المجتمع بصحتها، ويستمد منها صورة الحياة التي ينبغي أن تكون. يُفسَّر الواقع ويُحكم عليه بحسب قربه من هذه الصورة أو ابتعاده عنها. وقد جسدت الصحوة هذا الاتجاه حين قرأت التحولات الاجتماعية على ضوء تصور سابق للصلاح والاستقامة، وحددت ما ينبغي قبوله وما يجب تغييره. يصبح السؤال: كيف نعيد الحياة إلى النموذج الذي نعتقد بصحته؟ وحين يتطابق النموذج في وعي الجماعة مع تأويلها للدين، تكتسب محاولة فرضه معنى الواجب الديني.

أما الثقافة الاستقرائية فتنطلق من مشكلات الواقع، وتقارن بين الوسائل والنتائج لتختار ما تراه أصلح لمعالجتها. تواجه الدولة حاجات التنمية والإدارة والأمن بالتخطيط وتوزيع الاختصاصات وسن الأنظمة وبناء التحالفات. وتتحدد قيمة التدبير بقدرته على معالجة الحاجة التي استدعته، ويُراجع حين تتغير الظروف أو تتكشف نتائجه. وأستخدم الثنائية هنا بمعناها الثقافي: نموذج يُطلب من الواقع أن يطابقه، أو واقع تُستخلص من تجربته قواعد لتنظيمه. وهي تميز بين منطقين في الفهم والفعل، دون افتراض أن كل ممارسة للدولة استقرائية، أو أن الجماعة لا تتعلم من تجربتها.

ولفهم الأرضية الاجتماعية التي اكتسب منها خطاب الصحوة قدرته على التأثير، أبدأ من صورة في الذاكرة المحلية. كانت أمي «الجوهرة»، - رحمها الله- تتغنى بالاكتفاء الذي عرفه بيت القرية؛ كانت البقرة تشاركهم إحدى غرف الدار، وكان للبئر والنخل نصيبهما من الفناء. في هذا البيت يجتمع السكن والإنتاج والقرابة والتعاون اليومي. وتمس اختيارات أحد أفراده عمل الآخرين وقوتهم، وتصبح المشاركة والالتزام وسلطة الكبير جزءًا من «شروط استمرار الحياة».

كانت علاقة الرزق بالظروف الطبيعية تضيف بُعدًا آخر لهذه التجربة؛ ففي الزراعة يتوقف جانب من المصير على نزول المطر أو توفر وسائل الري. وفي هذا الاعتماد مجال لفهم حضور التسليم لما يتجاوز قدرة الفرد، بينما يجعل الاعتماد المتبادل داخل الأسرة الممتدة التضامن والامتثال ضرورة للبقاء. تنتظم الحياة حول سلطة الكبار وأدوار متوارثة، وتضيق مساحة الاختيار الفردي أمام واجبات الجماعة. وحين تتداخل هذه الواجبات مع التربية الدينية، يصبح الوفاء بها علامة على الصلاح، ويكتسب الخروج عليها معنى التقصير الأخلاقي.

من هذه الصلة بين شروط العيش وصورة الإنسان الصالح أفهم الأرضية الاجتماعية للطهرانية؛ أي الحرص على صيانة نقاء الجماعة وضبط سلوك أفرادها. تستقر صورة للجماعة الصالحة، ويُقاس عليها السلوك، ثم تتوزع الثقة والمكانة وفق هذا القياس. تسندها معرفة الناس بعضهم ببعض، واعتمادهم المتبادل، والخوف من فقدان السمعة. وتتسع مكانة صاحب المعرفة الدينية لتشمل تفسير المصيبة وتسوية الخصومة وتقويم السلوك.

وتظهر العلاقة في صور الضبط المحلي المرتبطة بالحسبة، ومنها (النائب) في الذاكرة والمخيال المحلي. تجتمع في هذه الشخصية معرفة المخالفة، والاعتراف بالمكانة، والقدرة على التدخل. وإلى جانب ما يستند إليه من تكليف، تمنحه الجماعة سلطة حين تراه حارسًا لصورتها الأخلاقية. يصبح الاعتراض عليه مكلفًا، لأنه يضع صاحبه في مواجهة الشخص وما يمثله من قيم. وهكذا تكتسب المُثُل قوتها من العلاقات اليومية، وتعمل بدورها على حفظ النظام الذي نشأت فيه. فما الذي يحدث لهذه العلاقة حين تتغير شروط العيش في الحياة الحديثة؟