لأن بعض الأمراض لا يُفضح أمرها في بدايتها، بينما هي تنشأ وتتفشى، قد تشعر المرأة أنها بخير، بينما يكشف الفحص تغيراً لم تستطع أن تراه أو تحس به، وهنا تكمن قيمة الكشف المبكر، اكتشاف المرض قبل أن يستفحل.
قد تظن امرأة أنه طالما لا يوجد في عائلتها من أُصيبت بسرطان الثدي، أو كونها لا تشعر بشيء، أنه لا يلزمها الفحص، هذا فكر مفهوم، لكنه قد يمنح شعوراً زائفاً بالأمان، فغياب التاريخ العائلي لا يلغي الحاجة إلى الفحص، وغياب الأعراض لا يكفي وحده للاطمئنان.
توصي كل المراجع الطبية العالمية بإجراء مسح الماموجرام للسيدات فوق عمر الأربعين، ولكن قد يُجرى في عمر أصغر عند وجود عوامل خطورة، كالتاريخ المرضي في العائلة، لذلك من الأفضل سؤال الطبيب عن الوقت الأنسب للفحص بحسب العمر والتاريخ المرضي والعائلي.
في قصة سيدة نشرها أحد المراكز الطبية السعودية، كانت في الرابعة والأربعين من عمرها، لم يكن لديها تاريخ عائلي بالمرض، أظهرت صورة الماموجرام مؤشرات استدعت أخذ خزعة، التي أكدت التشخيص، كانت النتيجة صادمة لها ولصديقاتها حين شاركتها معهن، مما دفع عدداً منهن إلى حجز موعد للفحص، وجاءت نتائجهن سليمة.
خضعت للعلاج، وتحدثت عن الخوف الذي رافق البداية، وعن أثر دعم الفريق الطبي وعائلتها في رحلتها. قصتها لا تقول إن الفحص يضمن ألا يمرض أحد، ولا أنّ كل نتيجة غير طبيعية تعني وجود سرطان، لكنها تذكّرنا أن المرأة قد لا تملك أعراضاً واضحة، وأن الفحص هو للتقييم المبكر والتدخل في الوقت المناسب.
وثّقت وزارة الصحة قصص متعافيات اكتشفن إصابتهن من خلال عيادات الكشف المبكر، ثم انتقلن إلى مراحل التقييم والعلاج في المستشفى. تحدث بعضهن عن رحلتهن من لحظة دخول العيادة إلى تلقي النتيجة، ثم العلاج والتعافي، وأبدين استعدادهن للمشاركة في التوعية بأهمية الفحص، هذه القصص لا تختصر تجربة كل مريضة، لكنها تبيّن أن وراء موعد الفحص منظومة من التشخيص والرعاية والمتابعة، وأن طلب الفحص خطوة أولى في طريق يمكن التعامل معه طبياً وإنسانياً.
الفحص لا يعني أن كل نتيجة مقلقة هي سرطان، فقد تظهر في التصوير منطقة تحتاج إلى صورة إضافية أو متابعة أو خزعة، وهذا قد يسبب قلقاً شديداً، لكنه لا يعني تلقائياً أن التشخيص حتماً سيكون سرطاناً، فالفحوصات الإضافية تساعد الفريق الطبي على فهم ما ظهر بدقة. من المهم ألا تفسّر المرأة النتيجة وحدها، وألا تؤجل المراجعة خوفاً منها، السؤال والمتابعة هما ما يحوّل القلق إلى سبيل للنجاة.
الفحص الذاتي الشهري يختلف عن تقييم الأعراض، فإذا لاحظت المرأة كتلة جديدة، أو تغيراً في شكل الثدي أو جلده، أو إفرازاً غير معتاد من الحلمة، فعليها طلب تقييم طبي، حتى لو كان موعد فحصها الدوري بعيداً. وقد تكون هذه التغيرات لأسباب حميدة، لكن لا يمكن معرفة السبب بالانتظار أو التخمين.
ملاحظة شكل الثدي والفحص الذاتي الشهري، هو وعي مطلوب وضروري، لكنه لا يُغني عن الماموجرام، في الفئة العمرية المعنية، فكل وسيلة لها وقتها ودورها، والطبيب يحدد الفحص الملائم وفق الحالة.
لسنا بحاجة إلى أن نخيف المرأة كي نقنعها بالفحص، ولا أن نحمّلها مسؤولية المرض إذا أُصيبت به، نحتاج إلى أن نسهّل عليها الوصول إلى المعلومة والخدمة، وأن نطمئنها إلى أن السؤال حق، وأن طلب الدعم ليس ضعفاً، قد يكون الفحص موعداً عادياً في يوم مزدحم، لكنه قد يصبح لحظة فاصلة في حياة امرأة وعائلتها.