تتجمع 3 ملفات أمنية وسياسية حول سؤال واحد في بغداد: من يملك القرار على الأرض العراقية؟ ففي ساعات متقاربة، أغلقت السلطات منفذ الشيب الحدودي مع إيران لأسباب أمنية، وسقطت صواريخ على مقر لمعارضة إيرانية قرب أربيل، فيما أعلنت حركة النجباء رفضها مجددا تسليم سلاحها، لتتحول أحداث متفرقة جغرافيا إلى اختبار مباشر لقدرة الحكومة العراقية على تثبيت مفهوم السيادة وحصر السلاح والقرار العسكري بيد الدولة.

وتأتي هذه التطورات في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، مع استمرار تداعيات المواجهة الإيرانية الأمريكية، مما يضاعف الضغوط على العراق الساعي إلى منع أراضيه من التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات، وفي الوقت نفسه تجنب صدام داخلي مع الفصائل المسلحة.

بوابة إيران


بدأت مؤشرات التوتر بإغلاق العراق منفذ الشيب في محافظة ميسان أمام المسافرين والمركبات والشاحنات التجارية حتى إشعار آخر، وسط حديث عن أسباب أمنية عاجلة وإعادة تقييم الإجراءات الأمنية في المنفذ. ويكتسب القرار أهميته من موقع الشيب باعتباره أحد منافذ الحركة بين العراق وإيران، ومن توقيته الذي يأتي في ظل حساسية أمنية متزايدة على الحدود بين البلدين.

ولا يبدو ملف الحدود منفصلا عن الجدل الدائر بشأن نشاط جماعات المعارضة الإيرانية الموجودة داخل إقليم كوردستان، إذ تضغط طهران منذ فترة لمنع أي نشاط مسلح ينطلق من الأراضي العراقية باتجاه حدودها.

صواريخ أربيل

وجاء التطور الأكثر حساسية مع إعلان حزب حرية كوردستان الإيراني المعارض استهداف أحد مواقعه في منطقة حرير-باليسان بمحافظة أربيل بأربعة صواريخ باليستية على الأقل. وقال الحزب إن الموقع أخلي مسبقا ولم يسفر الهجوم عن إصابات، متهما إيران بتنفيذه.

وتجاوزت دلالات القصف البعد العسكري، إذ جاء بعد حديث السفير الإيراني في بغداد عن اتفاق مع الجانب العراقي يقضي بإخراج عناصر المعارضة الكردية الإيرانية من الإقليم أو تسليمهم إلى طهران. لكن مصدرا عراقيا شارك في اجتماعات اللجنة الأمنية المشتركة نفى التوصل إلى اتفاق جديد بهذا الشأن، كما لم يتضمن البيان العراقي الرسمي إشارة إلى عمليات ترحيل أو تسليم، مما كشف تباينا واضحا في تفسير نتائج التفاهمات الأمنية بين بغداد وطهران.

ويضع هذا التباين بغداد أمام معادلة دقيقة: الالتزام بمنع استخدام أراضيها للإضرار بدول الجوار، مقابل رفض تحول الأراضي العراقية إلى مساحة مفتوحة لتنفيذ عمليات عسكرية خارج سلطة الحكومة.

سلاح الداخل

وفي الوقت الذي تواجه فيه بغداد تحدي حماية حدودها وأجوائها، عاد ملف السلاح خارج المؤسسات الرسمية إلى الواجهة من الداخل، بعدما أعلنت حركة النجباء رفضها أي حديث عن تسليم أو نزع سلاحها، مؤكدة أن هذه المصطلحات ليست جزءا من توجهها.

ويأتي الموقف في مواجهة مشروع حكومي يسعى إلى إنهاء ازدواجية السلاح تدريجيا، بعدما حدد رئيس الوزراء علي فالح الزيدي نهاية يونيو 2027 موعدا مستهدفا لاستكمال خارطة طريق حصر السلاح، مع تأكيد الحكومة أنها تفضل الحوار ولا تسعى إلى مواجهة عسكرية مع الفصائل.

اختبار السيادة

وهكذا تتقاطع أزمة الحدود مع صواريخ أربيل وسلاح الفصائل عند نقطة واحدة: قدرة الدولة العراقية على امتلاك القرار الأمني كاملا. فنجاح بغداد في منع الهجمات الخارجية وحده لن يحسم معركة السيادة ما دام ملف السلاح الداخلي مفتوحا، كما أن حصر السلاح لن يكتمل من دون قدرة الدولة على حماية حدودها وأجوائها ومنع القوى الإقليمية من نقل مواجهاتها إلى الداخل العراقي.

وبين ضغط الجغرافيا الإيرانية وتعقيدات الفصائل المسلحة، تبدو الحكومة أمام واحدة من أصعب معادلاتها: تثبيت علاقة متوازنة مع الجوار، ومنع العراق من التحول إلى امتداد للحرب الإقليمية، وفي الوقت نفسه بناء سلطة أمنية لا ينازعها أحد في قرار الحرب والسلم.