وخلال إحدى المشاركات، تحدثت متحدثة مؤيدة للحوثيين بانفعال عن انتصارات للجماعة، لتواجه ردا من امرأة يمنية قالت إنها تتحدث من داخل محافظة تعز، واعترضت على روايتها للأحداث، متهمة إياها بتقديم صورة مضللة عما يجري على الأرض.
سجال المساحات
وقالت المشاركة اليمنية إن المتحدثة غادرت البلاد منذ وقت مبكر وتقيم خارجها، وتناولت معلومات عن هويتها والاسم المستعار الذي تستخدمه، متهمة إياها بالدفاع عن الحوثيين مقابل أجر. وتصاعد السجال، بحسب رصد «الوطن»، قبل أن تلجأ المتحدثة إلى الشتائم وتغادر المساحة.
وحاولت مشاركة أخرى مدافعة عن الجماعة تناول عدد من الملفات الداخلية، لتواجه اعتراضات تتهمها بتقديم معلومات مغلوطة، والإقامة خارج اليمن، والارتباط بشبكة إعلامية داعمة للحوثيين. وجاءت هذه الاتهامات ضمن المواجهات الكلامية بين المشاركات حول الروايات المطروحة ومصادرها.
وقالت إحدى النساء المشاركات إن الجماعة، بعد ما وصفته بهزائمها المتكررة على الأرض، لجأت إلى الاستعانة بمتحدثات في وسائل التواصل، ومنها المساحات الصوتية، لتحسين صورتها وتوجيه المتابعين بمعلومات مضللة. واعتبرت أن التصدي لهذا الخطاب يبدأ بكشف تناقضاته وإبقاء النقاش مرتبطا بما يعيشه اليمنيون، بدلا من تمرير روايات تبرر ممارسات الجماعة.
إقصاء النساء
قالت الناشطة الحقوقية والإعلامية، رئيسة تحرير موقع «اليمن الاتحادي»، بشرى العامري، لـ«الوطن»، إن ميليشيا الحوثي لا تختلف في فكرها العقائدي المتطرف عن التنظيمات الدينية المتشددة التي تقصي النساء وتبعدهن عن المواقع القيادية في أعلى هرمها التنظيمي، وعن التشكيلات السياسية ومراكز صنع القرار. وأضافت أن دور النساء داخل هذا البناء يقتصر على أعمال تخدم الجماعة، دون أن يقترن بحقهن في التعبير أو الاختيار، إذ تحصر مشاركتهن في مساحات محددة تخدم مشروعها، بما يشمل توظيفهن في القمع والرقابة وفرض الأيديولوجيا على المجتمع.
وأوضحت أن هذه الأدوار تتجسد في التكوين النسائي المعروف باسم «الزينبيات»، مشيرة إلى تقارير حقوقية اتهمت عناصره بممارسة انتهاكات بحق النساء، تشمل مداهمة المنازل وتفتيشها، وملاحقة المعارضات، وممارسة الضغوط والتلقين الأيديولوجي، وتنفيذ سياسات الإخضاع حتى ضد النساء أنفسهن.
وأشارت العامري إلى توظيف بعض النساء في التجسس على خصوم الجماعة، وحتى على أتباعها، عبر شبكات تستخدم، بحسب وصفها، أساليب غير أخلاقية لتحقيق أهدافها، معتبرة أن هذه الممارسات تكشف طبيعة الدور الممنوح للنساء وحدوده داخل سلطة الجماعة.
خطاب متناقض
وترى العامري أن تجييش النساء امتد إلى الفضاء الرقمي، حيث تظهر متحدثات بملامح اجتماعية وفكرية مختلفة، ويتحدثن بطلاقة عن الحرية والتعددية والحقوق، مستخدمات لغة أكثر انفتاحا ومفردات تستعير خطاب الليبرالية والحداثة وحقوق الإنسان.
وأضافت أن بعض هذا الحضور يتحول إلى دفاع شرس عن الجماعة، ومواجهة للأصوات التي تكشف انتهاكاتها. وتبرز هذه المفارقة، بحسب حديثها، في مساحات «إكس» واللقاءات الإعلامية والفعاليات الدولية، عندما يتبدل الخطاب الحقوقي لدى تناول ضحايا الحوثيين أو منتقدي ممارساتهم. وأوضحت أن اختلاف المظهر واللغة لا يعني بالضرورة اختلاف الوظيفة؛ فبينما تتخذ التعبئة الميدانية طابعا أمنيا وأيديولوجيا مباشرا، يمكن أن تتخذ المواجهة الرقمية شكلا أكثر نعومة، يقوم على التشكيك في شهادات الضحايا، وتخوين الناشطين، والسخرية من الصحفيين والحقوقيين. وقالت إن هذه الأساليب تحاول تحويل النقاش من الانتهاكات ذاتها إلى مهاجمة من يكشفونها، بما يسهم في تبييض صورة الجماعة وتبرير ممارساتها، وتقديمها باعتبارها أقلية مضطهدة تدافع عن نفسها وعن اليمن في مواجهة العالم.
محاصرة الشهادات
وفي هذا السياق، تفسر العامري توصيف «زينبيات المساحات» باعتباره تعبيرا نقديا عن سلوك رقمي يمارس الإقصاء والإسكات، وليس حكما على النساء بسبب لباسهن أو أفكارهن أو حضورهن الإعلامي.
وتقول إن خطورة هذا النمط تكمن في توظيف مفردات الحرية والحداثة لتجميل صورة الجماعة، وإرباك الحقائق، أو التشكيك في الملفات الحقوقية المتعلقة بالمختطفين والمخفيين قسرا والانتهاكات بحق المدنيين.
وأضافت أن المساحة الحوارية، حين تتحول إلى ساحة لمحاصرة الشهادات بدلا من مناقشتها، تفقد وظيفتها بوصفها مجالا للتعبير، وتصبح أداة للتأثير في الرأي العام وحماية الرواية السياسية للجماعة، أو إرباك النقاش وإفشاله وحرف مساره إلى جدل عقيم.
وشددت على أن الاستبداد لا يصبح ليبراليا عندما تتحدث باسمه امرأة بلغة حديثة، وأن القمع لا يفقد طبيعته حين يرتدي ثوب الانفتاح. فالحرية، وفق تعبيرها، ليست مظهرا، وحقوق الإنسان ليست مفردات تستدعى لتحسين الصورة ثم تعلق عندما يكون الضحايا ممن تكشف معاناتهم حقيقة الممارسات على الأرض.
مواقف وأدلة
وأكدت العامري أن النقد المسؤول يقتضي التمييز بين تحليل الخطاب وإثبات الارتباط التنظيمي؛ فليست كل مشاركة في مساحة أو حاضرة في فعالية دولية تؤدي دورا مكلفة به، ولا يجوز اعتبار المظهر المنفتح أو التوجه الفكري المتحرر دليلا على ذلك، إذ يظل المعيار الأساسي هو المواقف والأفعال والأدلة الموثوقة.
وأضافت أن الدفاع عن حقوق المرأة لا يمنح أحدا حصانة من المساءلة، ولا يكتمل الحديث عن الحريات بتكميم أفواه المختلفين أو الانتقاص من معاناة الضحايا. وحين تستخدم مفردات الحرية لإسكات أصحاب الحق، تتحول الحداثة إلى قناع للقمع، وتصبح مواجهة التضليل جزءا من الدفاع عن الحقيقة وكرامة اليمنيين.
قمع رقمي
ترى الشاعرة والكاتبة اليمنية سماح شقدري أن لدى الحوثيين جهازا قمعيا شديد البطش بالمجتمع، مشيرة إلى ما قالت إنه توثيق أممي لدور «الزينبيات» في تفتيش المنازل والتلقين الأيديولوجي والرقابة على النساء، وارتباط هذا التكوين بانتهاكات جسيمة.
وقالت إن هذا النموذج لم يعد، في تقديرها، محصورا في السجون والمداهمات، بل يعاد إنتاج منطقه داخل المساحات الرقمية، على أيدي متحدثات يستخدمن لغة الليبرالية والحداثة، بينما يمارسن ترهيبا فكريا ضد كل صوت مستقل يطرح واقعة، أو يستحضر ضحية، أو يناقش انتهاكا ارتكبته الجماعة.
وأوضحت أن هذا السلوك يظهر في المقاطعة والتشويه والتخوين والسخرية ومحاولات الإسكات، معتبرة أن الخطر يتجاوز خلافا عابرا في الرأي إلى محاولة طمس الانتهاكات وتبييض صورة الحوثيين، وإرباك الحقائق وتحويل الجاني إلى ضحية والناقد إلى متهم.
وبحسب شقدري، تتحول المساحة بهذه الممارسات من ساحة نقاش إلى أداة دعائية تحرس رواية الجماعة خارج مناطق سيطرتها، وتلاحق الشهادات التي عجزت سلطة الأمر الواقع عن دفنها داخل السجون.
قناع ناعم
وأكدت شقدري أن النقد يتعلق بالدور الذي تختار المتحدثة أداءه، وأن المرأة ليست فوق المساءلة لمجرد كونها امرأة، كما أن الاستبداد لا يصبح ليبراليا عندما تدافع عنه امرأة بمفردات حديثة.
وترى أن من تستخدم قاموس الحرية لإسكات الضحايا، وتستدعي العلمانية لتبرير سلطة سلالية طائفية، تمنح القمع قناعا ناعما، وتشارك في محو ذاكرة جرائمه. ووصفت هذا الأداء بأنه تواطؤ في الخطاب مع آلة القمع، يتجاوز حدود الاختلاف السياسي إلى المساهمة في تبرير الانتهاكات وحجب أصوات المتضررين منها.