على الرغم من أن السير الذاتية والمذكرات الشخصية التي يكتبها الكثير من السياسيين والمثقفين وبعض العسكريين قد لا تحوي الحقائق كاملة وكما هي، بحكم النمط السائد في معظم هذه الكتب وهو تبرئة الذات وعدم الاعتراف بالأخطاء الشخصية، إلا أنها قد تكشف أمورا وتطورات كثيرة لقضية صغيرة تضخمت حتى أصبحت هما وطنيا كبيرا، مع أنه كان يمكن تلافيها لو تم التعامل معها بحكمة وتعقل أكبر. والدليل على ذلك مذكرات كتبها أحد الكتاب العرب الذي تحول من شاب "مراهق" مهتم بالأدب والفكر إلى "رمز سياسي" في بلده حلال حقبة السبعينات والثمانينات وأوائل التسعينات الميلادية، بسبب ملاحقته أمنيا مما أدى إلى هروبه خارج وطنه، وبالتالي تحوله إلى ثائر ضد نظام الحكم في بلده، بل ووقوعه - كما يشير ولو بشكل عابر في الكتاب - رهينة لقوى سياسية خارجية استغلت وضعه "الطريد من بلد إلى بلد" في تجنيده سياسيا ضد بلده، وذلك بعد أن وفرت له المأوى الآمن - وربما المال - حتى غدا في عداد المعارضين لكل شيء في بلده الأصلي، واستمر هذا الوضع حتى شمله عفو عام وعاد إلى وطنه، وعند أول فرصة قفز مرة أخرى إلى صفوف المقدمة في المعارضة السياسية بحكم وضعه "الثوري" الذي لم يعد بإمكانه التخلي عنه حتى وإن رغب في ذلك، فالجماهير لا ترحم.

هذا النموذج وغيره كثير، يدل على أن من أكبر الأخطاء التي ارتكبتها الأنظمة السياسية العربية في العقود الماضية (بعضها ما زال يفعل ذات الشيء) هو غياب الحرفية في التعامل مع المبدع والمثقف خصوصا في مقتبل العمر، وفي لحظات الاندفاع للأفكار الجديدة بحكم القراءة والاطلاع على تجارب الآخرين وفلسفاتهم وأفكارهم التي يستطيع الوصول إليها بكل سهولة في حال كان لديه الميول والرغبة الشخصية. فالكبت والمصادرة وربما الزج في غياهب السجون، ليست حلولا صحيحة في معظم الحالات، بل إنها كمن يصب الزيت على النار. فالحل الصحيح هو توسيع دائرة هامش حرية التعبير إلى الحد الذي لا يمس بالوحدة الوطنية أو يهدد حريات الآخرين أو يشجع على الفوضى والتخريب، مع وضع سياسات احتواء جدية تشعر هذا الشاب المهموم بقضايا الفكر والمتعاطي مع الثقافات المختلفة (التي قد تختلف عن ثقافة مجتمعه)، أنه يحظى باحترام مجتمعه مع توجيهه بشكل ودي وعقلاني لما فيه الصالح العام دون إشعاره بأنه مقيد الحرية.