لتلك الأيام حكايات وذكريات سيكون لها حديث آخر. أما اليوم فأكتب عن عسير التي عرفناها بالأمس، نراها اليوم، ونحلم بما ستكون عليه غداً. ومن حسن الطالع، أنني عايشت مراحل من تاريخ المنطقة، عرفت شيئًا من جهود رجال تعاقبوا على مسؤولية إمارتها وكان لكل مرحلة ظروفها وإمكاناتها وبصمتها.
أتذكر الأمير تركي بن محمد الماضي، ثم شقيقه الأمير عبدالله بن محمد الماضي - رحمهما الله - وما مثّلاه من مرحلة مهمة في تاريخ الإدارة والبناء، وقت محدودية الإمكانات، والطموحات أكبر. ثم جاءت مرحلة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل التي شكّلت تحولًا بارزًا في تاريخ عسير، إذ انتقلت المنطقة إلى آفاق أوسع في التنمية والسياحة والثقافة، وأصبحت أبها عنوانًا للصيف السعودي ومقصدًا للزوار وحاضرة في المشهد الثقافي والسياحي الوطني. عايشته خطوة بخطوة أثناء تشرّفي بالعمل مع رئيس هيئة السياحة والآثار «سابقا» الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، وأعقبه الأمير فيصل بن خالد بن عبدالعزيز الذي واصل مسيرة التنمية، واهتم بالمشروعات والخدمات واحتياجات المواطنين، محافظاً على ما تحقق، ودافعًا بعجلة التطوير إلى مراحل جديدة.
لكل هؤلاء الرجال حق الوفاء والتقدير، فالتاريخ المنصف لا يبدأ عند آخر إنجاز ولا ينتهي برحيل مسؤول عن موقعه، وإنما هو مسيرة تتكامل فيها الجهود ويُبنى حاضرها على ما أسسه السابقون.
واليوم تقف عسير أمام مرحلة مختلفة عنوانها الطموح الكبير وقائد مسيرتها الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز - وفقه الله وأعانه- وجاء تمديد خدمة سموه أميرًا للمنطقة لأربع سنوات جديدة مناسبة نبارك له فيها هذه الثقة الملكية، ونتطلع معها إلى مرحلة تتسارع فيها المنجزات، وتتحول خلالها الطموحات إلى واقع يلمسه المواطن والزائر.
ولعل ما يميز الأمير تركي بن طلال حضوره الميداني وقربه من الناس وحرصه على متابعة شؤون المحافظات والمراكز والقرى، وإدراكه أن التنمية الحقيقية لا تكتمل بالمشروعات وحدها بل بما تحدثه من أثرفي حياة الإنسان.
حظيت عسير باهتمام استثنائي من سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله ووفقه - الذي أطلق استراتيجية تطوير عسير «قمم وشيم" مستهدفًا جعلها وجهة عالمية طوال العام، وجذب أكثر من عشرة ملايين زائر بحلول عام 2030 باستثمارات مستهدفة تبلغ خمسين مليار ريال.
إنها رؤية لا تقف عند حدود السياحة بل تمتد إلى الاقتصاد وفرص العمل والاستثمار والبنية التحتية وجودة الحياة.
وهنا أقول - وأنا أحد أبناء أبها المحبين - إن حلمنا لا يقتصر على أن تكون عسير مقصدًا سياحيًا عالميًا، بل أن تكون في مقدمة مدن وطننا الغالي تخطيطًا وتنظيمًا وجمالًا، وأن يجد أهلها وزوارها مدينة تتسع لطموحاتهم لا تضيق بحركتهم.. نحلم بطرق انسيابية، ومداخل ومخارج مدروسة وحلول جذرية للازدحام، وشبكة نقل حديثة، ومواقف منظمة، وتخطيط عمراني يستبق النمو السكاني والسياحي بدلًا من ملاحقته بعد وقوعه.
فليس من المقبول أن تصبح زيادة الإقبال على مدينة جميلة سببًا في تعثر الحركة داخلها، ولا أن تقاس نجاحات السياحة بأعداد الزوار وحدها دون قياس رضا السكان وسهولة تنقلهم وجودة الخدمات المقدمة لهم.
وأحسب أن الأمير تركي بن طلال بما عرف عنه من متابعة ودقة وطموح، يدرك أن المدينة الناجحة ليست التي تدهش زائرها عند الوصول فحسب بل التي تجعله يتمنى العودة إليها، وتجعل ساكنها أكثر راحة واعتزازًا بها.
ما نرجوه أن تحمل المرحلة القادمة مشروعات عمرانية ونقلًا وخدمات نوعية، وأن تتكامل جهود الإمارة، وهيئة تطوير عسير والأمانات والجهات المعنية، وأن يحظى شباب المنطقة بفرص أوسع للمشاركة والعمل والاستثمار، وأن تمتد ثمار التنمية إلى جميع محافظات عسير من قمم السراة.. إلى سهول تهامة.
عسير التي عرفناها في طفولتنا جميلة بطبيعتها وأهلها، وعسير اليوم جميلة بمنجزاتها وطموحاتها، لكننا ننتظر عسير الغد أكثر جمالًا وتنظيمًا وازدهارًا.. نريد أن تبقى جبالها شامخة كما أهلها، وتراثها محفوظًا، وأهلها معتزين بهويتهم، وأن تصبح أبها نموذجًا للمدينة التي تتصالح فيها الطبيعة مع العمران، والجمال مع التخطيط، والسياحة مع راحة الإنسان.
الأجيال السابقة صنعت لعسير تاريخًا نفخر به، وجيل اليوم أمامه فرصة ليصنع لها مستقبلًا نفخر به أكثر..
وإذا كانت عسير قد عُرفت منذ القدم بقمم جبالها وشيم رجالها، فإننا نتطلع إلى يوم تُعرف فيه أيضًا بقمم إنجازاتها وجودة عمرانها ورفاهية إنسانها.