لا أعتقد أن هناك شخصية ثقافية وإدارية ظُلمت في العالم العربي لعدم دراستها ودراسة فكرها وشعرها، كما ظُلم الأمير خالد الفيصل.

صحيح أن الأمير خالد، قد تقلَّد مناصب إدارية مهمة في عسير، وقبل عسير، وفي مكة المكرمة الآن، وقبل مكة المكرمة. وجاء إلى عسير، ثم إلى مكة المكرمة، في أوقات حرجة، وصعبة، وتحتاج إلى رجل إداري قوي وحازم من الطراز الأول، لكي ينهض بالتنمية في هاتين المنطقتين المهمتين، والحساستين من مناطق المملكة المختلفة.

فأين الظلم بعد هذا كله؟

إن الظلم يتركز، في أن خالد الشاعر – مثلاً - لم يُدرس الدراسة النقدية اللازمة والكافية، أسوة بشعراء العرب المعاصرين والمحدثين. وكل ما قيل عن شعره – باستثناء القليل – لم يتعدَ التبجيل، والتعظيم، والتهنئة. وفي رأيي المتواضع، أن سبب ذلك، هو الخوف من الوقوع في النقد "السلبي" - لأسباب فنية وغير فنية – وكذلك تجنباً للاتهام بالمداهنة، والرياء، والتزلف.. إلخ. وهذا هو الثمن الغالي الذي يدفعه الشعراء وغير الشعراء ممن هم في صف الفيصل ومكانته. وفي هذه الحالة، فالقراء، والجمهور يتلاومون على النقاد الصامتين تجاه مثل هذا الشعر، لصمتهم، وعدم دراسته، والنظر فيه، وإصدار الأحكام النقدية بشأنه. ويتلاومون على النقاد – وهم قلة قليلة - الذين اجتهدوا ودرسوا هذا الشعر، وقالوا قولهم المستطاع في هذا الشعر، ويرمونهم بشتى التهم المجانية والكيدية. والهجوم على نقاد هذا الشعر ودارسيه - وهم قلة نادرة - لا يتأتى من اليمين فقط، ولكنه يتأتى أيضاً من اليسار، الذي هو أشد عداءً لكل نتاج فني وتنموي وثقافي، من هذا القبيل.

بين الفرح والحزن

فرحت وحزنت في آن واحد، في ذلك المساء من شهر أغسطس من عام 2006 ، في أبها. وكنا قد انتهينا - الأمير وأنا - من مراجعة كتابي "عاشق خزامى: حفريات الحب والحكمة في شعر خالد الفيصل، 2006". وكانت المراجعة للنصوص الشعرية فقط، وليس للأحكام النقدية، التي تضمنتها هذه الدراسة. فالشعر نبطي في معظمه، وبحاجة إلى مراجعة دقيقة من قائله، وقد كان ذلك. وانتهينا من المراجعة، وحانت صلاة المغرب، فقمنا للصلاة في المسجد القريب من المجلس. وفي الطريق، قال لي الأمير خالد:

ربما كنت أنتَ الوحيد، الذي درس وفهم شعري جيداً.

ففوجئت بهذا الحكم الجامع المانع. وفرحت به من شاعر، في قامة خالد الفيصل.

ولكنني حزنت، لأنني شعرت بأنني الوحيد الذي درس وفهم هذا الشعر حتى الآن. وكان بودي، أن يكون هناك عشرات النقاد الذين تناولوا هذا الشعر وأغراضه المختلفة، ودرسوه، وفهموه.

ثقافة الإدارة

استفادت الدولة السعودية كثيراً من وجود خالد الفيصل بين صفوفها ومن خدماته. وكذلك استفاد الوطن. فهو من الإداريين النادرين الذين تميزوا بالثقافة الرفيعة والعميقة، وبالحس الإداري الفني المرهف (يؤمن بأن الإدارة فن، قبل أن تكون علماً وخبرة) إلى جانب موهبة إدارية حازمة، تؤمن بالتخطيط التنموي، وتتخذ من العلم والمعرفة سلاحاً لإدارة البشر، والحجر، والشجر. وهذا ما فعله طيلة حكمه لمنطقة عسير. فقام بحملة تنموية طويلة وشاملة، امتدت عشرات السنوات (1971-2007)، حوّل خلالها، وفي نهايتها "عسيراً" إلى "يسير"، كما قال الراحل الأديب محمد حسين زيدان.

وها هو الآن في مكة المكرمة (وقد تحولت خلال فترة قصيرة إلى ورشة عمل ضخمة) يسعى لأن يجعل من العاصمة المقدسة، أولى مدن العالم، تخطيطاً، وجمالاً، ويسراً، وبما يليق بمكانة مكة المكرمة الدينية، والتاريخية، والثقافية كذلك.

إذن، نجح خالد الفيصل كحاكم إداري لمنطقتين مهمتين حتى الآن. ولو حصرنا هذا المقال في الجانب الإداري والتنموي لخالد الفيصل، لوجدنا أن البشر، والحجر، والشجر، قد استفادوا من هذه الإدارة. ولكن الجانب الذي لم يستفد هو "العلم" الإداري المدوَّن.

فرغم النجاح التنموي الذي حققه الأمير خالد في أبها، والذي اكتمل بنقله إلى محطة إدارية وتنموية أخرى مهمة، وهي إمارة منطقة مكة المكرمة، إلا أننا لم نحصل حتى الآن على أسرار وتفاصيل المنهاج الإداري الذي طبقه واتبعه الأمير في عسير مثلاً، حيث قضى أميراً لها طيلة 35 سنة (1971-2007)، فعل فيها ما فعل، وبنى مع مساعديه، وإدارييه، وموظفيه، ما بنى، وأشاد.

الإدارة بين الفيصل والقصيبي

لقد كتب غازي القصيبي كتابه المهم ("حياة في الإدارة"، 2003) ( طُبع أكثر من 14 طبعة حتى الآن) قصَّ فيه - منذ أن عُيّن سفيراً في البحرين 1984 - منهاجه وأسلوبه في الإدارة، والطرق التي اتبعها، لكي يصبح إدارياً ووزيراً ناجحاً، تقلّد عدة وزارات، وعدة مهام، قبل الوزارة وبعدها، وحقق فيها نجاحات مختلفة. (لاحظوا القاسم المشترك بين الأمير خالد والدكتور القصيبي. فكلاهما كانا مثقفين وشاعرين، قبل أن يصبحا إداريين مسؤولين. فهل هناك علاقة نجاح وتفوق بين الشعر كفن والإدارة كفن أيضاً؟ وهل الفنانون عموماً والشعراء خاصة، أقدر من غيرهم على النجاح والتفوق في المهام الإدارية، إذا ما جمعوا بين فن الشعر وعلم الإدارة؟) ولم يترك القصيبي أمر قصِّ تجربته الإدارية للآخرين، لكي يقوموا بكتابة حياته في الإدارة. فلا غيره يُحسن تقييم تجربته الإدارية، أو شرح تفاصيلها. وقد استفاد من هذا الكتاب طلاب قسم الإدارة في الجامعات والمعاهد السعودية والعربية كذلك. وقرأت على الإنترنت الكثير من تعليقات هؤلاء الطلبة، وكذلك القراء الراغبين في معرفة أسرار النجاح الإداري الذي حققه القصيبي. وبذا، اصطاد القصيبي عصفورين بحجر واحد. العصفور الأول، تحقيق النجاحات الإدارية على الأرض. والعصفور الثاني، تعميم تجربته الإدارية من خلال ما كتب هو عنها، ونظر الأجيال القادمة فيها، والاستفادة منها.

عن تجربة الأمير

للأسف، يبدو أن الأمير خالد، لم يجد بعد، الوقت الكافي لكتابة تجربته الإدارية الغنية والطويلة بنفسه، كما فعل القصيبي. وترك الأمر – على ما يبدو – للآخرين القلائل جداً. ولكن الآخرين القلائل لم يقدموا لنا شيئاً يُذكر. وكل ما قدموه، كان من باب العلاقات العامة، والعامة جداً. وظلت تجربة الأمير الإدارية شذرات متناثرة في الصحف، وفي صدور بعض أصدقائه. ولم يحن الوقت بعد، لكي نقرأها في صفحات الأمير.

(للموضوع صلة).