تصوروا لو أخذ علماء الفيزياء والكيمياء والتقنية على عاتقهم نقد أبيات الشعر النبطي وتقييم أصول الأدب العربي، ولو بادر خبراء المال والاقتصاد في محاورة خبراء الذرة والنانو والفلك لتفسير كسوف القمر وخسوف الشمس، بل تصوروا لو قام الأطباء بتفسير نظام الإحصاء الكمي وقوانين التجارة العالمية، ولو انبرى أرباب الهندسة والمقاولات للمدافعة والمرافعة في المحاكم نيابة عن المظلومين.

بخلاف جميع الأنشطة الخدمية المكونة من 12 نشاطا رئيسيا و614 نشاطا فرعيا، تتربع معظم وسائل الإعلام في قريتنا الكونية على نوايا الإعلاميين وخبث المبدعين وثقافة المراسلين، فمنهم من يشحذ الههم ويحشد القطعان ويتسلق القمم بأحكام مسبقة، ومنهم من يسعى للحقيقة متلهفاً على تشويهها وتضليل صوابها.

لا جدال في أن من يملك الإعلام في هذا الزمان يمتلك زمام الشعوب. تطور وسائل الاتصالات وتضخم محطاتها الفضائية أدى إلى وضوح نوايا الإعلام وبروز مخاطره. عالمنا اليوم يواجه ما يزيد عن 118 قمرا اصطناعيا تحتوي على 7342 محطة فضائية وتتحدث بأكثر من 6000 لغة إعلامية. للأسف الشديد فإن الإعلام الغربي يشكل أكثر من 90% من هذه الفضائيات، مما دعا الأمين العام السابق للأمم المتحدة للقول بأن وكالات الأنباء الغربية أصبحت في هذا الزمان العضو رقم 6 في مجلس الأمن.

قيل ربع قرن كان 33% من الشعب الأميركي يعتقد أن إعلامه يفتقد المصداقية، لترتفع هذه النسبة إلى 44% في عام 1992، وبلغت 53% في عام 1997، وأصبحت اليوم تفوق أكثر من 60%. هذا في الوقت الذي أجمعت فيه الإحصاءات على أن المواطن الأميركي الذي يتابع ما يحدث في أنحاء العالم من خلال محطاته الفضائية، أصبح يشك في 85% من مصادر أخبارها.

منذ بدء الخليقة والأطراف المتناحرة تسعى بكل قواها للدفاع عن مواقفها بشتى الطرق الخلاقة وغير الخلاقة من خلال وسائل الإعلام، التي اختلطت فيها أقلام الرأي بأهواء الكتّاب ومصداقية الأخبار، وأصبحت الإثارة عنواناً باهراً لكسب ملايين الشعوب، وغدت الإشاعة مرتعاً خصباً لنشر أخطر أنواع المعلومات.

الدول المتقدمة حاولت إحكام قبضتها قضائياً على كل إعلامي يتهافت على ترويج الإشاعات وتحريف الحقائق وبذر الفتن، ووقفت بالمرصاد من خلال أنظمتها لكل من يتربع عرش الإثارة والإخلال بأمانة المهنة، إلا أن نجاحها كان دائماً رهينةً لمستوى ثقافة مجتمعاتها وعقول قرائها وقدرتهم على التمييز بين الحق والباطل.

قبل 14 قرنا أثبتت شريعتنا السمحة أن تَقَلّب القلوب يؤدي إلى فقدان المصداقية في الموازين البشرية، وأيقنت أن الإخلال بالمراجع الثابتة والأصول الموروثة يؤدي إلى الفوضى وانتشار الظلم وضياع الحقوق، فجاء الحديث الشريف واضحاً صريحاً: "لو يُعطى الناس بدعواهم، لادّعى رجالٌ أموال قوم ودماءهم، لكن البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر".

اليوم تتهافت معظم وسائل إعلامنا على تسلية مجتمعاتنا المدنية بسواليف المجالس وأحاديث القيل والقال وتتنافس على بث الإشاعات وتنميق المعلومات. أصبحت صحافتنا عنواناً للإثارة دون رقيب ومحطة للمتاجرة بالأخبار دون حسيب. إذا ارتفعت الأسعار أضاع الكاتب نصف عموده في خلق العداوة بين البائع والمشتري وصب جام غضبه في نصف عموده الآخر على المسؤولين. قلما نجد كاتباً في صحافتنا يحدد المشكلة ويقترح الحلول. الجميع يتبارى على التقريع والتجريح وكيل الاتهامات والمناداة بالويل والثبور وعذاب القبور.

في الدول المستهلكة للنفط قلما نجد من يكتب عموداً أو مقالاً يلوم فيه وزراء الطاقة والتجارة والمالية في بلاده بسبب ارتفاع أسعار النفط، وذلك لأن جميع الكتّاب والقرّاء يعلمون أن النفط سلعة استهلاكية ذات أسعار عالمية تعتمد في ارتفاعها وانخفاضها على عدة عوامل لا علاقة لها من قريب أو بعيد بوزير الطاقة أو غفير المحطة.

في عالمنا العربي يستخدم الإعلامي قلمه لتقريع المسؤولين وتجريح التجار عند ارتفاع أسعار الأرز والسكر والقمح والألبان واللحوم والأعلاف. في الدول المتقدمة يلجأ الجميع للتعاون مع الإعلاميين لإيجاد الحلول الحاسمة للغلاء ويتبارون على توفير المقترحات وتذليل العقبات.

في العالم المتقدم أدرك الإعلاميون ما يحيط بعملهم من مخاطر، مما جعل الكثيرين منهم يتجهون إلى تنقية الجو الإعلامي والانخراط في الثقافة الصحفية بمهنية التحليل وامتلاك المعلومات الكافية وتجميعها قبل صياغة الخبر وفق القواعد العلمية والثقافية المنضبطة.

نجاح إعلامنا اليوم مرهون بقدرات المواطن الذاتية على غربلة أقلام الكُتّاب وإعادة الثقة للنُقّاد، وهذا لن يتحقق إلا من خلال محاسبة الكاتب على أخطائه ومعاقبة الناقد على تجاوزاته. صحافتنا تمرّ حالياً بأحرج مراحلها، لأن بعض كتّابها استباحوا حرية الكلمة وخالفوا أساليب النقد والموضوعية، وأصبحت أهدافهم تنحصر في تقريع المسؤولين وتجريح الشخصية بدلاً عن تسلق قمم الحرية الصحفية والتفوق في أعلى مراتب المصداقية وصدارة الشفافية. ولكن هذا أيضاً لن يتحقق إلا إذا استقطبت صحافتنا الكاتب الخبير المتخصص الأمين فيما يكتب من مقالات وأعمدة.

المقال الاقتصادي في حاجة ماسة لخبراء الاقتصاد لتفسير مكاسب تنمية الصادرات ومزايا التجارة الحرة وحسم موضوع ربط الريال بالدولار، والعمود الأدبي يتطلع إلى جيل جديد من الأدباء لإثراء الفكر والشعر والمعرفة، والصفحة العلمية تتطلب المزيد من العلماء والمهندسين والأطباء المختصين لتوضيح طلاسم التقنية وفك شفرة علومها المعقدة. حتى صفحاتنا الرياضية تحتاج إلى نخبة من الخبراء والمتمرسين في النقد وتفسير هموم اللاعبين.. نحن في أمس الحاجة للمختصين الأمناء في نشاط الإعلام.