هل يحمل الفقراء على تقاسيم وجوههم دلالة تعريف أو ماركة مسجلة؟ تأملت كثيراً تلك الوجوه التي احتشدت بها – قصة العدد – لهذه الصحيفة بحر الأربعاء الماضي لوجوه الفقراء وفيها (بعض) من كل شيء. هي وجهي تماماً عندما كنت في بحر العقد الأول مثلما هي وجه جدتي لأمي – رحمها الله – وهي ترحل في نهاية التسعين. لا يحتاج اكتشاف الفقراء إلى فراسة في فحص الوجوه، مثلما تحتاج إلى يقظة ضمير. حاولت كل المدارس الفلسفية عبر التاريخ أن تكتشف وجوه الفقراء من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية ومثل ذلك حاولت كل الأديان السماوية. بشرت الشيوعية والمذاهب الاشتراكية بتوزيع العدالة وتعزيز لحمة الطبقة الوسطى ثم انتهت هذه الفكرة الإنسانية حين اكتشفت أنها إنما عمقت دائرة الفقراء وأنتجت أمماً كاملة (تبيع الخبز في الشوارع كي تشتري بثمنه خبزاً من الفرن الساخن). ولأن لكل فعل ردة من الفعل فإن موسكو، معقل الفكرة الماركسية، تحتضن اليوم أكبر عدد من أثرياء الكون في مدينة واحدة. بشرت الرأسمالية بنظريات جون آدم سميث وكلما سافرت إلى لندن أو باريس ونيويورك، أذهب على التوالي إلى أحياء – بريكستون وسان دوفيه ولتل تشاينا كي استمتع برؤية الظل المخيف تحت ناطحات السحاب الرأسمالية، إن كان في ذلك متعة، حيث الفرز اليدوي للقوت والحياة على مصبات (قمائم) المدينة، مع اعتذاري عن كتابة اللفظ ما بين القوسين إذ لم يبق للفقراء إلا أن نعتذر عن رداءة اللغة.

لا توجد على الأرض، ولا على ورق التاريخ وخرائط الجغرافيا، فكرة تكافلية متكاملة مثل الإسلام وهو يفرض حق الفقراء على الأغنياء بنسبة مئوية. وكنت مراهقاً في العقد الثالث وأنا أجادل أستاذ اقتصاد في جامعة شيكاغو حول الحل الإسلامي لنسبة الأغنياء إلى الفقراء ومازلت (مزهواً) به وهو يقول: إننا لو وزعنا هذه النسبة (2.5%) لما بقي في شيكاغو عائلة واحدة بلا منزل أو سيارة. ومن المؤسف أن أهل هذا الحل العظيم وأمته هم المخزن الهائل لكل وجوه الفقراء على هذه الأرض وهنا الخلل الهائل ما بين التطبيق وبين النظرية. نحن نصلي ونصوم ونحج مادام أن الضريبة من العرق ومادام أن التكلفة هي الجهد البدني. نحن بالضبط، ولا غضاضة لدي أن أقولها، قراءة قارون للمال وإن كنا ننافق أنفسنا بمظهر (أبي ذر) رضي الله عنه. لا تتأملوا وجوه الفقراء فهم لا يحملون فوق الحياة إشارة ولكن تخيلوا لو أن (الضمير) عضو حسي على الخد الأيمن من الوجه، وكم هم بيننا الذين سيحملون هذا (العضو) تماماً مثل العين أو الأنف!

(وجوه الفقراء) لن تكتمل إلا بالمقابل: وجوه الأغنياء في قصة قادمة.