ما الذي يجعل من هذا العالم العربي خارطة دموية ونشازاً من بين كل الأمم والشعوب في العقد الثاني من الألفية الثالثة؟ هو باختصار موجز: نحن نجني اليوم ثمار ما لم نغرسه مع بقية الشعوب منذ ما يقرب من مئة سنة. صحونا أخيراً على أوهام ربيع عربي ولكن في وسط أمة جاهلة وأمية متخلفة. أنا لا أستحي من سرد الكلمات في جلد الذات، فأنا لا أجلد ذاتاً وإنما أحاول تشريح حقيقة. نحن اليوم نحاول غرس الديموقراطية ولكن، وبلا حجاب لغوي، في المشتل الخطأ. غيرنا يقول (إنه الاقتصاد) في تحليل أزماته اليوم، ونحن نقول بالفم الممتلئ: إنه التعليم يا غبي. وللذين يعرفون السطر الأول من نهضة الشعوب سيدركون أن التعليم يسبق الاقتصاد بمئة سنة.

وكل الحديث اليوم عن جور الأنظمة أو صراع المذاهب أو نزاع الأقلية ضد الأغلبية. وكل الذين يتحدثون عن قطاف الربيع العربي وحروبه الطاحنة إنما يتحدثون عن القشور. يحللون الأعراض الجانبية الطافحة ولا يتحدثون عن جوهر المشكلة.. عن التعليم المتخلف الذي أنتج ثقافة متخلفة. صحونا على ديموقراطية الربيع العربي ثم اكتشفنا أن ثلث الناخبين في شعوب هذا المصطلح لا يستطيعون حتى قراءة بضع كلمات في بطاقات الاقتراع. نصف الناخبين ذهبوا للصناديق بناء على المشورة والتوجيه وربعهم بالضبط كانوا يذهبون إليها وكأنهم في حافلة – نقل جماعي – شراء من أفراد لبيع الأصوات بالجملة. ربع الناخبين كانوا في حاجة إلى الصورة والشعار لتمييز مرشحهم من غيره. إنه التعليم يا غبي.

حين خرجت أميركا من حربها الأهلية أنشأت ثلاثين جامعة من بين الخمسين الأولى على قائمتها اليوم. أنشأت بريطانيا توأمة جامعتي كامبردج وأكسفورد وهي تلحس دماءها بعد أعنف حروب بلاد الغال. بعد الحرب العالمية الأولى بنت أوروبا ألف جامعة كي تذهب شعوبها إلى المعامل لا إلى المذاهب والأعراق. كلهم قطفوا الثمار بعد مئة سنة من بذور التعليم، والتعليم ليس أن تفك الحروف بل أن تمسح طلاسم العقل وأساطين خرافاته. وبينكم من سيقول بالحرف: إن الغرب لم ولن يكون القدوة، ومع هذا سأجيب أن – المقتدي – فينا مازال اليوم يجادل حول كتب المنهج الدراسي في المرحلة الابتدائية. خذوا حصاد نشرة الأخبار: 131 قتيلاً في العراق، 116 في سورية، سبعة في اليمن، وثلاثة عشر في ليبيا.. وقبل هذا كله مدرج كرة قدم هادر جاء للمتعة فقتل البعض من بعضه بضع ومئتي روح. هذا هو مشتل الديموقراطية ولا شيء يقتلنا بأكثر من الجهل. الأسلحة مجرد أداة في أياد بلا عقول.