في طريقي إلى موقع "آبار حمى" الأثري بمنطقة نجران كان التساؤل المستمر في ذهني: ترى ماذا تخبئ هذه الكثبان الرملية التي تتناثر على جانبي الطريق الموصل إلى تلك الآثار التي لم أكن أعرف الكثير عنها سوى ما أشاهده يوميا من لوحات إرشادية تشير لها في الشوارع الرئيسة وخصوصا على ما يطلق عليه هنا "خط الرياض".؟

في الحقيقة أن بعضا من الإجابة على تساؤلي الذي لم أخفه عن مرافقي" الثلاثة" من فرع الهيئة العامة للسياحة والآثار بنجران وهم المهندس بسام بالحارث ومانع آل مهري ومحمد هادي، جاء قبل أن نقطع المسافة المفترضة بين أطراف نجران(المدينة) وموقع الآثار المستهدف "حمى" وهي حوالي 140 كيلو مترا شمالا، بعد أن لفت نظري ـ ونحن في منتصف المسافة ـ جبل صغير محاذ للطريق الرئيس محاط بعلامات "بتر خرسانية" تخص هيئة السياحة والآثار، حيث يُلاحظ أن الطريق الرئيس كاد يبتلعه ولكن تم إنقاذه في آخر لحظة من قبل فرع الهيئة بنجران ،كما قال لي حينها دليل الجولة المهندس بسام بالحارث" هذا الجبل الصغير الذي يسمى "وريك" أنقذ من قبل فرع السياحة والآثار في نجران قبل إزالته من قبل وزارة النقل لتوسعة الخط الدولي لأنه يحوي نقوشا قديمة جدا".

وبعد حوالي الساعة سيرا بالسيارة ذات الدفع الرباعي، بدأت معالم آثار" آبار حمى" تظهر للعيان يتقدمها جبل "صيدح" المحاط بسياج حديدي أقامته الهيئة العامة للسياحة والآثار مثله مثل معظم الجبال الصغيرة التي تحوي نقوشا فريدة وضاربة في عمق التاريخ وتتوزع في رقعة واسعة من المكان الذي يميل للبيئة الصحراوية القاسية.

هنا في أطراف "صيدح"، كانت شواهد المدافن التي تعود إلى أزمنة غير معروفة بدقة (لم أحصل على معلومة دقيقة حول تاريخها، لكن يبدو أنها من عصور سابقة للإسلام بأزمنة طويلة). تستقبل الزائرين بشموخ لافت وكأنها تقول "انظروا خلفي فهنا تاريخ عريق"، وبالفعل فخلفها مباشرة تبدأ معالم المكان بأول النقوش المكتوبة بخط المسند الجنوبي القديم ونقوش ثمودية، التي تتوزع على عدة صخور في متناول اليد.

توثيق النقوش

وبحسب المدير التنفيذي للهيئة العامة للسياحة والآثار بنجران صالح آل مريح الذي تحدث إلى "الوطن": فإن المكان يحتوي على أكثر من 34 موقعا أثريا بعضها يحتوي على ما يزيد على 20 نقشا أو رسما في مساحة صغيرة بالتأكيد أنها ستكون من أهم روافد حملة "البعد الحضاري للمملكة" الذي أطلقته الهيئة العامة للسياحة والآثار بدعم كامل من خادم الحرمين الشريفين، حيث إن الحملة تستهدف الحضارات القديمة التي عاشت على هذه الأرض. هذا العدد من الأماكن وتلك النوعية من النقوش المغرية للباحثين الأثريين جلبا بعثات وعلماء آثار من مختلف دول العالم وعلى فترات مختلفة ، منها بعثة يابانية قبل عدة سنوات، وتعمل منذ أربع سنوات وحتى الآن بعثة فرنسية سعودية مشتركة على دراسة وتوثيق تلك النقوش حيث يرأس الجانب الفرنسي كريستيان روبان والجانب السعودي صالح آل مريح وتتكون من حوالي عشرة أشخاص، فضلا عن عشرات الباحثين الذين يأتون إلى "حمى" للحصول على درجات علمية مثل الماجستير والدكتوراه ، حيث تصادف أن التقت "الوطن" بأحد هؤلاء الباحثين السعوديين وهو الشاب إبراهيم النعامي الذي يحضر درجة الماجستير في النقوش الفنية لجبل "عان جمل" الذي يعتبر من أغزر آثار "حمى" في الرسومات الفنية التي تمثل حضارة تمتد إلى الألف الثالث قبل الميلاد.

ولأن المكان بعيد نوعا ما عن الخدمات العامة مما يستنزف وقت الباحثين عند الذهاب إلى الأماكن الأثرية الكثيرة والمتفرقة وسط الرمال ، فإن السياحة والآثار تقوم حاليا بوضع اللمسات النهائية على المركز لاستقبال وإيواء الباحثين ليكون مكانا للراحة والانطلاق للعمل من جديد كما حدثنا المهندس بسام.

الماء ملتقى الحضارات

اسم المكان "آبار حمى " يدل على أن الماء عنصر أساس فيه، وهو ما ثبت فعلا بعد وصولنا للوادي الصغير الذي تتجمع فيه 7 آبار لا يفصل أحدها عن الآخر سوى أمتار قليلة (حالة نادرة جدا) وما زال بعضها يستخدم للشرب و سقي المواشي وجميع الاستخدامات المنزلية للأهالي المقيمين حولها، حيث يؤكد المؤرخون أن تلك الآبار تعود لآلاف السنين وأنها ربما تكون السبب الرئيس في جعل المكان ملتقى للقوافل منذ عصور ما قبل الميلاد. يقول آل مريح " حسب ما أثبتته دراسات النقوش فإن حمى كانت مركزا لتجمع القوافل التي تأتي من خطين تجاريين الأول (الفاو ـ إقليم اليمامة ـ إقليم البحرين ـ بلاد الرافدين ـ بلاد فارس) أما الخط الثاني فهو (الحجاز ـ بلاد الشام ـ مصر).

وفي اللحظة التي وصلنا فيها لموقع الآبار المحاط بالجبال كان عمال إحدى المؤسسات الخاصة يعملون على إعادة تأهيل جنبات الآبار بإقامة أبنية تحيط بالبئر لحفظه وسلامة الزائرين، إضافة إلى مشروع آخر ذكر المهندس بسام بالحارث لـ"الوطن" أن هيئة السياحة والآثار تنفذه حاليا ليكون بعد الانتهاء منه مسارات مرصوفة وأماكن جلوس مناسبة للزوار والمرتادين من الباحثين وغيرهم.

تفاصيل معركة

على الرغم من أن المرء يحار من كثرة النقوش والرسوم التي تواجهه في كل مكان بالمناطق الأثرية في نجران والمقدرة بـ" 1500 نقش" مكتشف، ومنها "حمى" إلا أهم ما يمكن رؤيته هنا هو نقش يحتل مساحة واسعة من واجهة أحد جبال "حمى" يرصد ـ كما يقول مؤلفو كتاب "آثار منطقة نجران" ـ تفاصيل معركة دارت بين الملك الحميري المسمى "يوسف أسأر يثأر" وأهالي نجران وقتها.


من يحمي هذا الأثر الخالد؟

آثار آبار "حمى" قد تكون من أكثر الأماكن الأثرية التي يبدو أنها لم تتعرض للتخريب ربما لأسباب كثيرة لعل أهمها ما ذكره صالح آل مريح من وعي وتعاون أهالي مركز "حمى" تجاه الآثار حيث "الحقيقة أن الفضل الكبير بعد الله لأهالي "حمى" الذين يعتبرون الآثار جزءا منهم ومن تراثهم العريق وبالتالي فهم يساعدون هيئة السياحة والآثار كثيرا في مجال الحماية، أما بالنسبة للهيئة فكل من يصل للمكان يرى أنها قامت بعمل سياجات حديدية مرتفعة وصلبة حول جميع آثار حمى، ولديها خطط كثيرة لتطوير المكان.الذي يمتد من أطراف نجران (المدينة) بمسافة تزيد على 140 كيلو مترا.