اعتدنا في الحملات الإعلانية الإعلامية الصادرة من الأجهزة الحكومية الأساليب المباشرة المفتقرة للذكاء والدهاء، ولكن وزارة المياه خالفت هذا الاتجاه في إعلاناتها الضخمة التي بدأت تنشرها على مساحة صفحات كاملة في الصحف المحلية، وأول أمارات الذكاء والدهاء أنها حملت عنواناً جديداً مبتكراً بعيداً عن التقليدية لم نعهده في أساليبنا السـابقة حتى التعليمية والتلقينية منها وهو.. هل تعلم..؟؟
لقد شاهدت الإعلان الأول الذي يبدو أنه قطرة من غيث كثير منهمر وكـان في غاية الذكاء والدهاء، وأول الغيث قطرة كما نقول.. وأقصد غيث الإعلانات وغيث الذكاء والدهاء أيضاً.
هذا الإعلان احتلت فيه كلمة هل تعلم الممطوطة المنفوخة كل مساحة الجزء الأعلى من الصفحة، وقد بهرتني (هل تعلم) هذه، ولما كنت أرى بيـاض الصفحة الناصع الواسـع في الجزء الأسفل منها وأنا أتأمل في عبارة هل تعلم، فقد هبطت بنظري بسرعة لأبحث عن هذا الأمر الخطير الجليل الذي لا أعلمه وتريد وزارة المياه أن تعلمني إياه فوجدت في البداية بعد المسـاحة البيضاء الشاسعة من الصفحة عبارة تتكون من سطرين تقول لي ولكل مستهلكي المياه إن ما أدفعه ويدفعه كل مستهلك لكل (10.000) عشرة آلاف لتر من الماء في منزلي عن طريق الشبكة (يعادل ريال واحد) وقد قوست العبارة لأبرئ نفسي من الخطأ النحوي وأوضح حجم ذكاء الإعـلان الذي (افتعل) هذا الخطأ النحـوي وكذلك خطأ استخدام عبارة (يعادل) في غير محلها كي يساهم ذلك في لفت انتباه القارئ، وكما ذكرت سابقاً فهذه قطرة أخرى من غيث ذلك الـذكاء والدهاء.
أما القطرة الثالثة لغيث الـذكاء والدهاء وقوة التأثير فوجدتها في أسفل الصفحة وكانت عبارة عن رسم لوايت ماء مكتوب عليه أن حمولته (10م3) عشرة أمتار مكعبة وقد وضعت الوزارة أمامه في إعلانها علامة = بالخط الأحمر وبعدها عبارة 4 رسائل قصيرة بالمحمول (S.M.S) أي أن حمولة هذا الوايت الضخم من الماء عندما تستهلكها في منزلك لن تكلفك سوى قيمة أربع رسائل بالجوال.
بعد كل هذا الأسـلوب العبقري للتأثير فهـل من الغريب أن نقـول إن غيث الذكـاء لابد أن ينهمر مدراراً بعد ذلك؟ وكيف لا يحصل هذا والمستهلك الذي يفهم من إعلان الوزارة أنه لا يراجع فواتيره شـبه الشهرية ولا يعلم تلك المعلومة الخطيرة الواضحة أصـلاً في كل فاتورة، ومادام لا يعلم ذلك، فلابد عندما يشاهد هذا الإعلان الكبير الخطير ويدرك أن عشرة آلاف لتر من الماء لن تكلفه سوى ريال واحد، وأن حمولة الوايت الضخم لن تكلفه سوى ما تكلفه أربع رسائل على محموله، أقول لابد عندما يدرك ذلك أن يدفعه ذلك للمزيد من الاستهلاك، وقد يتكرم على زوجته وأولاده بأن يستحموا ليس في (البانيو) ولكن في بركة السباحة إن كانت موجودة، وأن يقوموا بتغيير المـاء بعد كل حالة استحمام طالما أن كل هذا لن يكلفه إلا بضعة ريالات، وقد يتكرم بذلك أيضاً على سائقه وعاملته المنزلية، أما التوسع في الحدائق، وغسيل الأحواش فهذا أمره أبسط، أي حدث ولا حرج.
بصراحة.. أهنئ وزارة المياه على هذا الإعلان الذكي المبتكر القادر على التأثير، ولكن لابد أن يُوِجد هذا سؤالاً هاماً وهو لماذا فعلت وزارة المياه هذا ورغبت في أن يزيد المواطنون من استهلاكهم للمياه على هذا النحو..؟؟
والإجابة المنطقية أنه قد توفر لها مخزون ضخم من المياه ضاقت به خزاناتها الأرضية وغير الأرضية فأرادت أن تتخلص منه بسرعة، وربما يضاف لذلك أنها أرادت أن تشجع المقاولين المتخصصين في تحلية المياه الذين يبيعون إنتاجهم للوزارة، وأظن أن وراء كل هـذا، أي زيادة مخـزونها من المياه والحاجة لمزيد من الشراء من متعهدي التحلية، سبباً جوهرياً آخـر بـالغ الأهمية وهو أن حملاتها السـابقة لترشيد الاستهلاك قد نجحت نجاحاً كبيراً بما زاد على الحد المطلوب، فتراجع استهلاك المواطن من المياه لحدود غير مطلوبة ولا مقبولة، ولكل هذا أرادت وزارة المياه أن تشجع المواطن على المزيد من اسـتهلاك المياه بهذه الطريقة الذكية التي تستحق منا الإشـادة بالوزارة وتهنئتها، وأكبر دليل على صحة كل هذا أن الوزارة لم تورد لا من قريب ولا من بعيد أي ذكر أو حتى مجــرد إشارة لتكلفة لتر الماء والمتر المكعب على الدولة وقد تعمدت فيما يبدو هذا حتى لا يؤثر ذلك بالسلب على ما قصدته، فهنيئاً مرة أخرى للوزارة عـلى إعـلانها الشديد الذكاء، وسننتظر بقية إعـلاناتها الذكية في الأيام القادمة لنعلم ما لا نعلمه، ولنؤازرها بالتعليق تعبيراً عن الشكر والتقدير والامتنان، ولكن بقيت الإجابة على سؤال العنوان..
فمن أين أتت وزارة المياه بكل هذا الذكاء..؟
والإجـابة في رأيي أن هـذا الذكـاء جاء من حالة يأس واضحة..
فحـالات اليأس أحيانـاً تفجر طاقات الذكاء.