لا تزال قضية الخصوصية إحدى القضايا التي تُربك الوعي الجمعي بضبابية مفهومها والتباسه. والخوف على الخصوصية وانتهاك قيمها يُمثل الورقة الرابحة لكل من يريد التشبث بالماضوية وسدانة الموروث في زمن تتلاطم فيه المتغيرات! وغالبا ما يتم التمترس وراء الخصوصية عند أية تحديثات تقدم للمجتمع، لتُقدم الخصوصية حتى على تعاليم الدين نفسه، ولنغرق في تهويمات وأخطاء تجعلنا نراوح مكاننا!
دون شك لكل ثقافة خصوصيتها وملامحها المحددة التي تجعل منها كيانا مستقلا بذاته. ولا يعني احتكاك الثقافات أن تزول الخطوط الفاصلة والملامح المميزة لكل ثقافة. والاندماج لا يعني الانصهار والذوبان بل يعني التلاقح والتفاعل بين الثقافات، وخلق علاقة جدلية بيننا وبين الآخر لا تقوم على التلقي السلبي، بل على الانتقاء الواعي والتمحيص والغربلة.
والثقافة الغربية نفسها ليست ثقافة واحدة بل هي ثقافات متعددة لكل منها ما يُميزها، مع اشتراكها في بعض الخصائص والصفات. فالثقافة الإيطالية احتفظت بطرازها المعماري، والثقافة الإسبانية احتفظت بهويتها الموسيقية، والفرنسية بعاداتها الغذائية، والإنجليزية بتنظيمها ودقتها، كما تنزع الثقافة الأمريكية نحو الإبهار والضخامة.
والحضارة المعاصرة تتسع للاختلاف وتشجعه لأنها تعتبره مصدرا للثراء والتنوع، وتؤكد على الخصوصية مع فتح الباب على مصراعيه لانتقاء القيم الجيدة من الثقافات الأخرى. فلا خوف على الخصوصية إلا من الانكفاء على الماضي والتقوقع على الذات، لأن ذلك سيُكرس لدورنا كمستهلكين للحضارة وليس كمنتجين لها ويجعلنا نغرق في النرجسية وتضخيم الذات والإعجاب المرضي بالماضي دون القدرة ـ حتى الآن ـ على خلق حاضر مواز له!
والكارثة أننا إذا استمررنا بلعب دور المستهلك ولم نعمل على إعداد أنفسنا للعب دور الشريك الفاعل في الحضارة المعاصرة، فسنستمر في لعب دور الذي يأخذ فقط ولا يُعطي، ولا يتفاعل.. والسؤال الملح هو: هل فقدت ثقافتنا مناعتها ضد الهيمنة وأصبحت تابعة؟ ولماذا أصبحنا مجرد مُتفرجين ومُبتلعين لتقنيات الحضارة؟
الدين الإسلامي ليس هشّا ولا ضعيفا، وتعاليمه قادت المسلمين الأوائل إلى طريق العلم والبحث والتجربة، وحرّضت العقول على التفكر في سنن الله ومعجزاته في الآفاق. بل أخذت الحضارة المعاصرة من الحضارة الإسلامية أبجديات منهج البحث العلمي القائم على الاستقراء والتجربة، كما أخذت من الحضارات السابقة للإسلام! ولكن المسلمين، اليوم، هم الضعفاء لأنهم يتعاملون مع الآخر من منطلقات الإحساس بالنقص والتوجس. فلا خوف على ديننا أو إيماننا من احتكاكنا واندماجنا مع الآخر، ويمكننا التطور والاندماج في الحضارة المعاصرة، دون أن نفقد هويتنا أو خصوصيتنا الثقافية.. علينا فقط أن نثق بأنفسنا وننقد موروثنا الثقافي بكل شجاعة وننتخب منه ما يدفعنا قدما في طريق التقدم، وأن ننفتح على الآخر ونتخلص من مخاوفنا المرضية!
ليس هناك مفر من الانخراط في ركب الحضارة الحديثة، إما كصنّاع لهذه الحضارة وإما كمستهلكين لمنجزاتها، وشتان ما بين الصانع والمستهلك! والمسألة ليست مسألة قبول أو رفض أو انتقاء، لأننا لسنا في سوبر ماركت! المسألة إما أن ندخل العصر كشركاء وإما كمتطفلين. وليس هناك خيار ثالث لأننا وببساطة لا يمكن أن نعيش خارج العصر!