أشكر كل القراء الذين تجاوبوا مع مقالتي السابقة (أمي... أرجوك لا تفعلي بي كما يفعل السائق) على موقع "الوطن" الإلكتروني؛ ولقد أسعدني اتصال هاتفي من شخصية عامة أخبرني خلاله أن رئيس تحرير صحيفة محلية وعده أن يهتم بموضوع التحرش الجنسي لمناقشته على كل الصعد الإعلامية الممكنة، ولكن ذلك القول لم يخرج عن خانة الوعود منذ 3 سنوات. ولذا فإنه يتمنى من الصحافة إلقاء المزيد من الضوء على هذا الموضوع المسكوت عنه.
لا أريد أن أكتب عن نفس الموضوع اليوم لأن التغيير مطلوب، ولكن أشير فقط إلى ما ذكره الخبير الأمني Gavin de Becker ، في إحدى حلقات أوبرا وينفري، حول أننا دائماً ما نحذّر أبناءنا من الغرباء، مما يـُعطيهم رسالة معاكسة، وهو أن كل من يهتم بهم من المعارف والأقرباء هو شخص آمن؛ مع أن نسبة 70% من الاعتداءات الجنسية على الأطفال تقع من الوحوش التي تعيش تحت سقف المنزل أو بالجوار القريب. لذلك علينا أن نكون أكثر حذرا على أبنائنا، من كل من يتصف بـ : الخصوصية والتحكم (privacy &control ) فالخصوصية تجعل التحكم أسهل، حيث يبدأ التحرش باستدراج الطفل بنعومة، من تقديم حلوى كما فعل الوحش صاحب 200 جريمة اعتداء جنسي، مع الطفلة الشجاعة التي أخبرت والديها به.
في الأسبوع الماضي عرضت حلقة أخرى لأوبرا مع نفس الخبير، وكانت عن العنف ضد النساء، ولكنه ليس الذي يكون ظاهراً بالضرب أو بالدفع، بل هو الذي يبدأ بما يـُسمى الابتزاز العاطفي. ولدى مقارنتي بما جاء في هذه الحلقة مع الحلقة الخاصة بالتحرش بالأطفال، وجدتُ أن كلا منهما يتصف بوجود: الخصوصية والتحكم.
يقول كيفين في كتابه (نعمة الخوف) إن النسبة العظمى لجرائم قتل النساء في الولايات المتحدة تتم على يد الأزواج – أو الأصدقاء – حاليين كانوا أو سابقين ؛ مع العلم أننا عندما نكتب عما يحصل في أمريكا، فلأننا نـُدرك مدى التدهور الأخلاقي هناك، وربما لسنا أفضل حالا منهم فالدين الظاهري عندنا هو السائد أما الدين الأخلاقي فهو نادر؛ وإذا كان التعميم لا يجوز فلا بأس به للتحذير من تفاقم خطر العنف الذي يبدأ ناعماً وينتهي بجريمة!
يشير (كيفن) إلى وجود ما يـُسمى العنف الرمزي، مثلما يحصل حينما تعود الزوجة إلى البيت فتجد أن الزوج قد مزّق صور الزفاف أو حتى ثوب الزفاف، أو أنه أثناء الشجار يقوم بتحطيم الكمبيوتر أو رميه، أو أي شيء مماثل ليقول لها في رسالة مشفرة: أستطيع أن أحطّمك كما حطّمته.. أستطيع أن أقذف بك من النافذة كما قذفته!
الشكل الأخطر هو عندما تبدأ العلاقة بالسيطرة، فهو أحبها من النظرة الأولى، ثم خطبها بعد أسبوع، ثم سارع إلى إنهاء إجراءات الزواج، دون أي اعتبار لرأي المرأة؛ ودون أن يمنحها فرصة للتعرف عليه وعلى طباعه، وهنا لا أبرّئ المرأة من المسؤولية لأنها لم تنتبه إلى علامات الخطر، إذ يكون تبريرها: لقد تسرّعت بالموافقة، ولكن ماذا أفعل أمام حبه الجارف؟ الحب هو نوع من التسلط إن لم يتم ضبط إيقاعه. هذا ما يجب أن تفهمه النساء بأن من الحب ما قتل. فالرجل المُتسرّع بانفعالاته، غالبا ما يكون رجلا يحب السيطرة والتحكم قبل أن يكون محباً حقيقياً.
إلحاح الرجل الدائم مخيف، حتى لو كان إلحاحاً ظاهره الحب، لكنه ما دام لا يسمح للمرأة بقول (لا) فهي علامة أكيدة على أنه يعتبرها أحد الممتلكات الشخصية له، وما يقوله (كيفن) صحيح، وهو أن معنى (لا) يختلف عند الرجل عنه عند المرأة، فالرجل عندما يقول (لا) فهي نهاية النقاش، أما المرأة فعندما تقول (لا) فذلك لا يعني للرجل سوى أن الأمر قابل للتفاوض، ومرة بعد مرة يتعلم الرجل أنك إذا قلت (لا) فأنت لا تعنين الرفض!
الأمر المـُستفز حقاً، هو قول (كيفن) إن ثقافتنا – الأمريكية – تتعامل مع المرأة كأنها إحدى ممتلكات الرجل، فهي قبل سن الثامنة عشرة تتبع والدها، وبعد الزواج تتبع زوجها. وسبب الاستفزاز هنا أنه إذا كانت هذه حال المرأة الأمريكية التي وصلت لأعلى مناصب الدولة والتي خاضت غمار البحار والتي انطلقت في الفضاء، فما حال المرأة العربية عموماً والسعودية خصوصاً؟!
يطير عقل المرأة فرحاً بالهدايا التي يـُقدمها لها الرجل . ولن أذكر السيارة مثل (كيفن)، لأن نساءنا لا يقدن كي يضع لها الرجل جهازاً داخلها مما يـُمكنه من تعقـّبها ومعرفة تحركاتها. ولكن الهاتف المحمول على سبيل المثال، هدية كثيراً ما يـُقدمها الرجل للمرأة، وهي هنا ليست دليل الحب بقدر ما تعني أنه يمكنني الوصول إليك في أية لحظة، ويا ويلك ويا سواد ليلك إذا اتصلت بك ولم تردّي، حتى لو كنت في عملك الذي يتطلب منك التركيز!
كانت ضيفة أوبرا في نفس الحلقة امرأة رأت العلامات الدالة على تسلـّط الرجل الذي تقدم للزواج منها رغم ما أظهره من حب، لكنها تجاهلت حدسها، وانتهت إلى ضحية كادت تـُضاف إلى سجل إحصائيات جرائم قتل النساء!
ما كتبته أعلاه لم يكن انطلاقا فقط من حلقة أوبرا، بل مما نراه كل يوم من قدرة الرجل على التلاعب بالمرأة، حتى من خلال الحب، لذلك أرجو أن تتذكر النساء جيداً هذه الكلمات: (لا تفرحي كثيراً باهتمامه الشديد بك، وطالبي بمساحة من الحرية الشخصية فهي من حقك، ما دمت تخافين الله في نفسك وتحفظينه في السر والعلن، وتأكدي أن منح الرجل المرأة مكانتها الحقيقية لا يكون بتدليلها المؤدي إلى استعبادها، بل من خلال إشعارها أنها على نفس المستوى من الكرامة الإنسانية، لأنها حق لها من الله وليست هبة من أحد.