كنتُ على جهالة بقضية (سميرة وعبدالله)، ما ظهر منها وما بطن، لكني عرفتُ أخيراً أن فحواها يتلخص بأن امرأة تُدعى (سميرة)، زوّجها أبوها أي (وليها) برضاه وبرضاها من امرئ يـُدعى (عبدالله المهدي)، الذي دخل بها وأنجبت منه طفلة، وبعد عهد ضاهى عامين من عقد النكاح هذا، فإذا بالأب يقلبُ ظهر المجن للزوج و يرفع عليه دعوى تطليق أمام المحكمة المذكورة زاعماً أن لديه براهين تصمُ الزوج بنعوت تُنبي بأنه غير كفء لابنته.. وذلك بعد أن اتهمه بأنه خَتـَلهُ ودلـّس عليه بأوراق قدمها إليه قبل الزواج حوت إيهاماً أخفى حقيقته.. الأمر الذي جعله على ضلال من حقيقة حاله التي لو كانت على بينة منها لما زوجه بابنته . وقد أنكر الزوج المسكين هذه الأوراق قائلاً: إنه لم يقدمها إلى الأب ولا يدري عنها.. بل هي مصطنعة ومنسوبة إليه ظلماً وزوراً . وقد طلب محامي الزوج حاكمَ القضية أن يلزم الأب بتقديم أصولها، وليس صورها فقط... إلا أن الأب أبى، وكان لزاماً على القاضي إحالة هذه الأوراق إلى دائرة الضبط الجنائي لإجراء مـُضاهاتها، والتعرف على حقيقتها من زيفها ، طبقاً لما قضت به المادة (141) من قانون المرافعات الشرعية . إلا أن القاضي صدّ دونما سبب عن هذا . لكن مثار العجب في هذه القضية، هو إباءُ هذا القاضي عن الحكم في القضية سواء برد دعوى الأب، أو الحكم بالتفريق بين الزوجين لعدم كفاءة الزوج، طبقاً لمزاعم الأب، بل إنه لم يرعو عن اتخاذ إجراء فيه عجب من عجب، إذ إنه فرّق بين الزوجين وفرض بينهما فصالاً دون حكم قضاء، وذلك حين انبرى إلى إلزام الزوج بأن يتعهد بقطع أي آصرة له بها أو حتى الكلام معها مع أنها حليلته التي أحلها له الشرع . أي أن فضيلته ، وهو قاض يقضي بالشرع ، راح يفرض فصالاً بين الزوجين، أي أنه حرّم على ذلك الزوج المسكين، ودون حكم قضاء بالتطليق، ما أحله الله له مع زوجته في القرآن وما قضت به سنة محمد صلى الله عليه وسلم . فلا هو أصدر حكماً برد الدعوى ولا هو أصدر حكماً بالتطليق، مع أنه كان لزاماً عليه فعل أي من الأمرين، فهذا ما تمليه عليه ولايته، وهي القضاء بين الناس بقول بتـّار يُرسي به العدالة، . وهذا يعني أنه لم يلوِ على ما ألزمت به المادة (93) من نظام المرافعات، فقد غـَوى عما حكمت به، وذلك بتركه القضية همـَلاً دون إصدار حكم فيها ، فهي تقول (لا يجوز للقاضي الامتناع في القضاء في قضية معروضة عليه إلا إذا كان ممنوعاً من نظر الدعوى). وقد نبا إليَّ من حديث الزوجة أن حاكم القضية راح يـُحاورها ويـُداورها لطلب الطلاق . فإذا كان هذا صحيحاً فإنه يشي بأمر له خطره، بل هو جابه لبدائه العدالة التي تلزم أي قاض بالحيدة، إذ محرم عليه شرعاً التحريض والوقيعة بين أطرافها أو تحريض أحـدهم على فعل أمر ما . فقاض لم يزعه ضميره عن مثل هذا الصنيع، يلزم رده طبقاً للمادة (90) من قانون المرافعات الشريعة . إلا أن ما لا يغاب تبيانه هو أن زماناً ضارع العامين قد تصرّم على هذا التفريق، وهذا يعني أن القاضي قد حَرَنَ في إبائه عن الحكم فيها، وما نبا إليَّ هو أنه رفـع القضية إلى المحكمة العليا، وهو إجراء ينْبَهِمُ على كل ذي حجا من رجال الشرع والقانون.. إذ لا أحد يدري ما هي فاعلة هذه المحكمة في قضية لم يصدر قاضيها فيها حكماً، فما اتخذه، هو قرار بالتفريق وإلزامهما بعدم التلاقي رغم بقاء الزوجية، وهذا القرار لم يطعن فيه أحد، إذ لا أحد يجوز له قانوناً الطعن في قرار كهذا ليس ببتار في الخصومة الثائرة ، وذلك طبقاً للمادة (175) من قانون المرافعات. أي أن حاكم القضية راح يزدري حُكم القانون هنا، وأغلب الظن أنه يبتغي من المحكمة العليا أن تحكم ابتداء بالتفريق بين الزوجين أو رد الدعوى ، وهو ما يتزاور عن بدائِهَ نظام القضاء الجديد الذي يجعل المحكمة العليا كدرجة ثالثة في التقاضي ولا تنظر إلا الأحكام الصادرة ابتداء من المحاكم ومؤيدة من الاستئناف، وذلك لمعرفة مدى اتباعها لأحكام الشرع ، فهي لا تحكم في موضوع الدعوى. إن المرء ليحار مما فعله هذا القاضي، لكن الذي تبدّى لي من التفريق الجسدي الذي فرضه نكلاً على الزوجين، ونكوله عن إصدار الحكم، ثم حثه للزوجة بأن تطلب التطليق، هو أنه هابَ إصدار الحكم الذي يلزم به الشرع وهو رد الدعوى، إذ ثبت أن الأب قد افترى كذباً على الزوج... وعليه فإن رد دعوى كهذه هو أمر نزع إليه الفقهاء مُجمعين، إذ قالوا لا يجوز التفريق بين زوجين إذا كان عقد النكاح قد أبرم برضا وليها وبرضاها، وبعد أن دخل بها زوجها وأنجبت منه (انظر، المغني والشرح الكبير ابن قدامة ج7 ص381 - وبدائع الصنائع للكاساني ج8 ص318 والتبصرة لابن فرحون ج1 ص425 ونهاية المحتاج للرملي ج6 ص349).. إن هذا يعني أن حق الولي في طلب التفريق قد هوى، فالوحيد الذي له الحق في هذه الحالة طلب التفريق لعدم الكفاءة هو الزوجة وهي لم تفعل (انظر: مطالب أولي النهى للسيوطي ج 5 ص96)، وربما أن حاكم القضية هنا يدري أن الشرع يلزم بعدم التفريق في قضية كهذه، إلا أنه يتأبّى إصدار حكم برد دعوى الأب، بعد أن وقر في وجدانه أن الزوج له ملـّة تختلف عن ملة الزوجة، فهي كما بان (سنية)، أي أن هذا القاضي حازب الأب هنا وانتبذ لنفسه موقفاً من القضية له خطره، وخطره يتناهى أكثر فأكثر إذا عرفنا أن موقفاً كهذا قد صدر من قاض تلزمه الشريعة بالسواسية بين الناس، والقول بالعدالة بينهم . وعليه فإنه لا يُلحدُ عن الصواب من يقول إن المنحى الذي انتحاه هذا القاضي فيه ثلْم لوحدة الأمة .فالكل يـُضار بالتفريق بين سعودي وسعودي، بل إنه ذَهـِلَ عن النهج الذي سار عليه ولاة الأمر. فكثيراً ما سمعنا خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز -حفظه الله- يُعلن مراراً وتكراراً أن الناس سواسية، وأن الشعب السعودي أمة واحدة، وأنه لا يجوز التفريق بين سني وجعفري وصوفي وإسماعيلي. ولا يمتري اثنان في أن ما انتحى إليه هـذا القاضي يشي بأن تفريقه هذا بين الناس تحدّر من نظرته للملة والمذهب، وهو ما يذَرُ بعض السعوديين الذين لهم ملة تختلف عن ملة الغلبة الغالبة في وضع يتبدّون معه ، وكأنهم فئة منبوذة في هذا الوطن، وهو ما تأباه شريعة الإسلام وتحاربه دولتنا السنية أعزها الله. وأنا هنا لا أبتغي افتراض سوء نية من القاضي، لكن كل سابر لصنيعه هذا يقطع بأنه عامـِهٌ عن عاقبة ما جنح إليه في هذه القضية، إلا أنه يوضح.. بل يقطع بصواب ما نادينا به وهو وجوب إعادة تأهيل قضاتنا التأهيل الصحيح . فحاكم القضية هنا لم يرعو – وهو القاضي – عن هتـْكِ أحكام كثيرة ألزم بها قـانون المرافعات الشرعية، بل وتأبى – لأربٍ في نفسه – القول بحكم الشرع الذي ألزم به فقهاء الشريعة مجمعين، وهو عدم جواز الحكم بتطليق هذين الزوجين، وهذا يعني أن مستواه العلمي والثقافي لا يـُؤهـّله لأن يتولى منصباً له خطره ، وهو القضاء بين الناس. فهو ليس أكثر من (مطوّع).