قال عنه أبوالحكمة البكري (وقيل بالميم بدلاً من الياء)، والمولود ما بين عين اللوي والقرحاء نهاية الألفية الفارطة (لم يتوان حتى اللحظة): حين (تدقل) إلى الشانزليزيه تشعر بالرهبة وتدفعك إليه الرغبة. طوله بضعة أكيال ما بين قوس النصر حتى ساحة الكونكورد حيث تنتصب المسـلة المصرية وعرضه مئتا ذراع تضـيق (أحيـاناً) حـين تصـل إلى مضـارب (بني عبـس) ما بين مقهى – الفوكـيت – ومطعم – لاديفيل – حيث العرب هم الأمة السـائدة.

يواصل البكري (1666+300): وللشانزليزيه من أمره أمور وله من وجهه عدة أوجه. يختفي بنو يعرب من الشانزليزيه في قائلة الظهيرة حتى لا تكاد تجد لهم أثراً، لأنهم أهل (رواح) لا تروق لهم (السرحة)، ثم أنهم قوم (براد) يأنسون للدلجة حين تطوى الأرض بالليل.

يواصل البكري: دلفت إلى الشانزليزيه قادماً من جادة جورج الخامس وربطت (حماري) أمام قاعة (الليدو) الشهيرة ثم طفقت أتأمل الوجوه في أكثر شوارع الغرب بسطة.

وحين وصلت فرنسا كان القوم فيها يشتغلون بأمر النقاب ومنع الحجاب، ولعله لهذا كانت نساء (بني يعرب) في حرج من أمرهن.

كن يتركن العباءات في أدراج النزل المكتظة على أطراف الشانزليزيه، بل بلغ الحذر ببعضهن أن يتركن العباءات على مقاعد الطائرات بعيد برهة من الإقلاع الأخير من العواصم العربية.

وفي الغالب، تسحب كل سيدة عربية (أرجلها) في الشانزلزيه ومن ورائها طفل في المعدل أو اثنان، ثم في تناسق عجيب، عاملة آسيوية تلتقط من الأطفال ما يرمونه، لعبة كانت أو رضاعة حليب.

ولأن القوم في حرج من النقاب والحجاب، يندر جداً أن تجد أباً يسير مع أو جوار أو أمام أو خلف عائلته حتى لا تقتله غيرة عابرة على زوجة لا تلبس (السواد)، ولهذا يعبر الزوجان وكل يمشي وحده على رصيف أو يعكسان خطة السير، هو من الكونكورد إلى قوس النصر وهي من القوس إلى الكونكورد.

يضيف البكري (لم يتوان بعد) في كتابه الموسوم (الفرجة من رحلتي إلى بلاد الفرنجة): وحين ينتصف مساء بلاد الرومان والغال يهجم فرسان العرب على جادة الإليزيه ويدخلونها من مخارج طرفي الشارع العريض يمنة ويسرة، وحين يشتد الحصار تخرج من الشارع كل ملل الأرض وأعراقها حتى لا تكاد تلمح وجهاً من غير العرب، إلا ما كان من السبايا أو ما وضعت عليه اليد من رقاب نساء صفر وحمر.

وللشارع من أمره عجب، فهم هناك يبيعون مد (الشعير) بمئتي دينار بعد أن يخلطوه بماء فاتر يكفي لسقية ألف غازٍ عربي،

وعلى أطـراف الشـارع ودكاكينه يخـزنـون بعض أنـواع العـنب والزبيب لأكـثر من عشرين عـاماً متصلة.

وفي الصيف، تميل ليالي بلاد الفرنجة إلى القصر، حتى لا يكاد الليل أن يكون سوى بضع سويعات مثل أصابع اليد، ولعله لهذا يجمع غزاة العرب صلاتي المغرب والعشاء بعيد نصـف الليل بقليل، أو هكذا رأيتهم في بعض الشـوارع الداخلية المتصلة بهـذه الجـادَّة.

وبتأثير الغزاة العرب على شارع الشانزليزيه، لا تقفل الأسواق والدكاكين والبسط حتى شروق الشمس، ولعله لهذا أيضاً يرتفع سعر الكرسي الفارغ في مقهى – الفوكيت – إلى مئة دينار مسكوكة منذ عهد نابليون،

ثم إن القوم يقبلون دراهم الأمم المجاورة والبعيدة ولا يستثنون من تلك شيئاً، وإن كان لدنانير بني يعرب الغلبة ولها الحظوة، ذاك أنهم أكرم الأمم وأسخاها (بقشيشاً) وأقلها أسئلة عن الأسعار، ثم إنهم أكثر الأمم مهابة، يضرب لهم الإفرنج ألف حساب إذا ما غضبوا غضبة عنترية، ولعلهم لهذا أيضاً أكثرهم حاتمية.

وعند الصباح يحمد القوم السرى ويعود العرب سعداء إلى نزلهم على أطراف جادة الإليزيه، ويدخلونها لا يحملون معهم شيئاً بعد أن أفرغوا جيوبهم من كل شيء،

ثم ينامون طيلة النهار وقد حزموا أمرهم للعودة من جديد، وإلى غزوة مسائية جديدة.