ما يشيع، ونصدّقه أحياناً، أن الدول المنتجة للنفط تنزعج من تصاعد الوعي البيئي في العالم لأنه يتعارض مع مصالحها الاقتصادية. وشيوع هذا الاتهام سببه الربط المباشر بين انبعاثات الكربون المسؤولة عن الاحتباس الحراري وإنتاج النفط المتزايد في العقود الأخيرة، الذي درّ على الدول المنتجة مدخولاتٍ كبرى. وقد تم استغلال هذا الربط التلقائي سياسياً لتوجيه اللوم بعيداً عن مستحقيه، دون عرض الأمر على دراسة تقيس مدى تضرر الدول المنتجة من تزايد الوعي البيئي، أو كون هذه الدول المنتجة تستحق هذه التهمة أساساً.
ما أدى إلى شيوع هذه التهمة هو الخلط بين الدول المنتجة للنفط والنفط نفسه. فالنفط، بحد ذاته، لا يضرّ بالبيئة، ولكن بعض استخداماته تؤدي إلى ذلك. إذن المشكلة لا تكمن في النفط بل في الطريقة التي يُستهلك بها، وهذا ما ينقل الكرة من ملعب الدول المنتجة إلى ملعب الدول المستهلكة. أما ما ينقض العلاقة العدائية المفترضة بين الدول المنتجة للنفط والبيئة فهو الاقتصاد. إذ لا توجد حتى الآن علاقة سببية مباشرة تجعل ارتفاع الوعي البيئي سبباً لانخفاض مداخيل النفط، والسبب في ذلك يكمن في أن ارتفاع أسعار النفط وانخفاضه حالياً لا علاقة لهما بارتفاع الوعي البيئي لدى المستهلك الفرد، ولم يصل الأخير إلى مستوى التأثير المباشر إزاء العوامل الكبرى الأخرى.
الدول التي تحتل الصدارة في قائمة أكبر ملوّثي الأرض هي الدول المستهلكة للنفط، وليست المنتجة. وهي نفس الدول ذات الوعي البيئي الأعلى بين سكانها إذا استثنينا الصين والهند، وهي نفس الدول التي لا يجد سياسيوها وسيلة أخرى لتخفيف وطأة هذا التناقض الذي يزعج ضمير أممها إلا بإلقاء اللوم على الدول المنتجة مستغلين سهولة إنشاء الرابط التلقائي لدى العامة بين إنتاج النفط ودمار البيئة.
الأسئلة السطحية التي لم يطرحها مواطنٌ بسيط في ملتقى انتخابي من قبل هي: هل كانت الدول المنتجة ستنتج برميلاً واحداً من النفط لو لم تتلق طلبات شراء من الدول المستهلكة؟ وهل تفرض الدول المنتجة استخدامات معينة للنفط بعد بيعه؟ منتجات البلاستيك التي تعتمد على النفط الخام في تصنيعها أنقذت ملايين الأشجار في غابات العالم، وهي نفسها منتجات البلاستيك التي يستغرق تحللها إلى عواملها الأولية مئات السنين فلا تتناغم مع النظام الإيكولوجي للبيئة. هذان الاستخدامان المتناقضان من ناحية أثرهما على البيئة لمنتج نفطي مثل البلاستيك يحيلاننا إلى أن المشكلة ليست في النفط، ولا البلاستيك، ولكن في طريقة استخدامنا لهما، فالتوسع في صناعة البلاستيك إذا رافقه توسع في صناعات التدوير يؤديان معاً إلى خلق دورة صناعية مستدامة لا ترهق البيئة، وتحافظ على عناصرها الثمينة مثل الغابات. ورغم وضوح تلك المفاهيم البسيطة، فإن الدول المنتجة لم تحصل على ميدالية إمداد الصناعات البلاستيكية بالمادة الخام مثلما أن الدول المستهلكة لم تتحمل مسؤولية التخلص من المادة البلاستيكية التي لا تتحلل وحدها رغم أنها هي التي تصنعها.
إن التوسع في استخدامات الطاقة المتجددة والصناعات المستدامة، لا يؤدي بالضرورة إلى إفلاس الدول المنتجة للنفط، باستثناء تلك التي لم تتمكن لأسباب تنموية من استخدام ريع النفط لبناء اقتصادات تكاملية وحيوية، وذلك لأن النفط مادة خام يمكن تحويلها إلى منتجات عديدة، وليس منتجاً نهائياً يمكن الاستغناء عنه بتوفر البديل، فالنفط يمكن تحويله إلى وقود سيارات تحرقه المكائن وتنفث نواتج الاحتراق من عوادمها، ويمكن أيضاً تحويله إلى زعنفة كبيرة في مروحة لتوليد الطاقة من الرياح. ومتى ما قلّ الطلب على المنتج الأول ازداد على الثاني، وبالتالي تظلّ مستويات إنتاج النفط (نسبياً) متعادلة ،لأن النفط مادة متعددة الاستعمالات بشكل كبير إلى درجة أن الانخفاض في أحد هذه الاستعمالات سيتم تعويضه من البقية بشكل أوتوماتيكي.
لتوضيح ذلك: نفترض أنه إذا قلّ الطلب العالمي على النفط كوقود سيارات مثلاً، فإن هذا سيؤدي إلى انخفاض أسعاره، وستؤدي هذه الأسعار المنخفضة إلى خلق حافز اقتصادي لصناعات كثيرة لاستغلال هذا الخام الرخيص في ابتكارات جديدة، وإذا تركنا لخيالنا العنان فسنتخيل مثلاً: بيوتاً كاملة مصنوعة من البلاستيك المطوّر بدلاً من الأخشاب التي نسرقها من البيئة أو الأسمنت الذي يلوّث الهواء والأرض. وعندما تنضج هذه التقنية تنخفض كلفتها، فيزداد الطلب عليها، وبالتالي يزداد الطلب على النفط الخام، فتعود أسعاره للارتفاع مرة أخرى دون أن يؤدي هذا الارتفاع إلى انخفاض الطلب على البيوت البلاستيكية (المفترضة) لأن التقنية قد راجت، والاستثمارات الرأسمالية في هذا القطاع قد أنفقت فعلاً، ولا يمكن إيقاف هذه العجلة الاقتصادية بعد ذلك بسبب ارتفاع أسعار المواد الأولية. الدول المنتجة إذن لا يـُفترض بها أن تراقب ارتفاع الوعي البيئي بقلق، فتزايد عدد السيارات الكهربائية لا يعني نقص مبيعات النفط، ولكن ما تخشاه الدول المنتجة هو تنامي العداء الشعبي للنفط الذي يتم تضخيم مساوئه هو (وليس مساوئ استخداماته) لأسباب سياسية في الغالب. الاقتصاد ليس مصدر قلق، ولكنها السياسة التي جعلت الناخب الغربي يصبّ جام غضبه على حقل النفط الذي في الغوّار وينسى مصنع السيارات الذي خلف بيته، وهي السياسة التي صوّرت الدول المنتجة للنفط على أنها متخمة بالأموال البترودولارية، ولم تصور الملايين من المواطنين الغربيين الذين استثمروا أموال تقاعدهم في صناديق معاشات مرتبطة بأسواق النفط وشركاته.
ما أدى إلى شيوع هذه التهمة هو الخلط بين الدول المنتجة للنفط والنفط نفسه. فالنفط، بحد ذاته، لا يضرّ بالبيئة، ولكن بعض استخداماته تؤدي إلى ذلك. إذن المشكلة لا تكمن في النفط بل في الطريقة التي يُستهلك بها، وهذا ما ينقل الكرة من ملعب الدول المنتجة إلى ملعب الدول المستهلكة. أما ما ينقض العلاقة العدائية المفترضة بين الدول المنتجة للنفط والبيئة فهو الاقتصاد. إذ لا توجد حتى الآن علاقة سببية مباشرة تجعل ارتفاع الوعي البيئي سبباً لانخفاض مداخيل النفط، والسبب في ذلك يكمن في أن ارتفاع أسعار النفط وانخفاضه حالياً لا علاقة لهما بارتفاع الوعي البيئي لدى المستهلك الفرد، ولم يصل الأخير إلى مستوى التأثير المباشر إزاء العوامل الكبرى الأخرى.
الدول التي تحتل الصدارة في قائمة أكبر ملوّثي الأرض هي الدول المستهلكة للنفط، وليست المنتجة. وهي نفس الدول ذات الوعي البيئي الأعلى بين سكانها إذا استثنينا الصين والهند، وهي نفس الدول التي لا يجد سياسيوها وسيلة أخرى لتخفيف وطأة هذا التناقض الذي يزعج ضمير أممها إلا بإلقاء اللوم على الدول المنتجة مستغلين سهولة إنشاء الرابط التلقائي لدى العامة بين إنتاج النفط ودمار البيئة.
الأسئلة السطحية التي لم يطرحها مواطنٌ بسيط في ملتقى انتخابي من قبل هي: هل كانت الدول المنتجة ستنتج برميلاً واحداً من النفط لو لم تتلق طلبات شراء من الدول المستهلكة؟ وهل تفرض الدول المنتجة استخدامات معينة للنفط بعد بيعه؟ منتجات البلاستيك التي تعتمد على النفط الخام في تصنيعها أنقذت ملايين الأشجار في غابات العالم، وهي نفسها منتجات البلاستيك التي يستغرق تحللها إلى عواملها الأولية مئات السنين فلا تتناغم مع النظام الإيكولوجي للبيئة. هذان الاستخدامان المتناقضان من ناحية أثرهما على البيئة لمنتج نفطي مثل البلاستيك يحيلاننا إلى أن المشكلة ليست في النفط، ولا البلاستيك، ولكن في طريقة استخدامنا لهما، فالتوسع في صناعة البلاستيك إذا رافقه توسع في صناعات التدوير يؤديان معاً إلى خلق دورة صناعية مستدامة لا ترهق البيئة، وتحافظ على عناصرها الثمينة مثل الغابات. ورغم وضوح تلك المفاهيم البسيطة، فإن الدول المنتجة لم تحصل على ميدالية إمداد الصناعات البلاستيكية بالمادة الخام مثلما أن الدول المستهلكة لم تتحمل مسؤولية التخلص من المادة البلاستيكية التي لا تتحلل وحدها رغم أنها هي التي تصنعها.
إن التوسع في استخدامات الطاقة المتجددة والصناعات المستدامة، لا يؤدي بالضرورة إلى إفلاس الدول المنتجة للنفط، باستثناء تلك التي لم تتمكن لأسباب تنموية من استخدام ريع النفط لبناء اقتصادات تكاملية وحيوية، وذلك لأن النفط مادة خام يمكن تحويلها إلى منتجات عديدة، وليس منتجاً نهائياً يمكن الاستغناء عنه بتوفر البديل، فالنفط يمكن تحويله إلى وقود سيارات تحرقه المكائن وتنفث نواتج الاحتراق من عوادمها، ويمكن أيضاً تحويله إلى زعنفة كبيرة في مروحة لتوليد الطاقة من الرياح. ومتى ما قلّ الطلب على المنتج الأول ازداد على الثاني، وبالتالي تظلّ مستويات إنتاج النفط (نسبياً) متعادلة ،لأن النفط مادة متعددة الاستعمالات بشكل كبير إلى درجة أن الانخفاض في أحد هذه الاستعمالات سيتم تعويضه من البقية بشكل أوتوماتيكي.
لتوضيح ذلك: نفترض أنه إذا قلّ الطلب العالمي على النفط كوقود سيارات مثلاً، فإن هذا سيؤدي إلى انخفاض أسعاره، وستؤدي هذه الأسعار المنخفضة إلى خلق حافز اقتصادي لصناعات كثيرة لاستغلال هذا الخام الرخيص في ابتكارات جديدة، وإذا تركنا لخيالنا العنان فسنتخيل مثلاً: بيوتاً كاملة مصنوعة من البلاستيك المطوّر بدلاً من الأخشاب التي نسرقها من البيئة أو الأسمنت الذي يلوّث الهواء والأرض. وعندما تنضج هذه التقنية تنخفض كلفتها، فيزداد الطلب عليها، وبالتالي يزداد الطلب على النفط الخام، فتعود أسعاره للارتفاع مرة أخرى دون أن يؤدي هذا الارتفاع إلى انخفاض الطلب على البيوت البلاستيكية (المفترضة) لأن التقنية قد راجت، والاستثمارات الرأسمالية في هذا القطاع قد أنفقت فعلاً، ولا يمكن إيقاف هذه العجلة الاقتصادية بعد ذلك بسبب ارتفاع أسعار المواد الأولية. الدول المنتجة إذن لا يـُفترض بها أن تراقب ارتفاع الوعي البيئي بقلق، فتزايد عدد السيارات الكهربائية لا يعني نقص مبيعات النفط، ولكن ما تخشاه الدول المنتجة هو تنامي العداء الشعبي للنفط الذي يتم تضخيم مساوئه هو (وليس مساوئ استخداماته) لأسباب سياسية في الغالب. الاقتصاد ليس مصدر قلق، ولكنها السياسة التي جعلت الناخب الغربي يصبّ جام غضبه على حقل النفط الذي في الغوّار وينسى مصنع السيارات الذي خلف بيته، وهي السياسة التي صوّرت الدول المنتجة للنفط على أنها متخمة بالأموال البترودولارية، ولم تصور الملايين من المواطنين الغربيين الذين استثمروا أموال تقاعدهم في صناديق معاشات مرتبطة بأسواق النفط وشركاته.
فلتتحدث الدول المنتجة للنفط عن البيئة إذن دون حرج، لأن السياسة منحازة دائماً حد تشويه الحقائق، والاقتصاد محايد جداً حد أنه لا يغري ناخباً ولا يحرك إعلاماً. الدول المنتجة للنفط بوسعها تغيير قوانين اللعبة، وإعادة توجيه النفط، تقنياً وصناعياً، ليكون أحد الحلول البيئية بعد أن كان أحد مشاكلها. سيتطلب الأمر معركة إعلامية وثقافية كبرى والكثير من الاستثمارات لتطوير تقنيات نفطية صديقة للبيئة، لكن كل هذه الجهود لم تعد اختيارية في ظلّ الظروف الدولية. فلنتحدث عن البيئة إذن..