وهكذا واجه محمد عابد الجابري مماته بكل هدوء، وهو الذي أفنى الحياة بكل الصخب. وبين نهاره الأخير، ومن ثم ليلة القبض على آخر نبضة من القلب، تكمن كل متناقضات الواقع العربي: حتى ظروف رحيله تعكس هذا الواقع صحوة ونكبة، وحين الحديث عن بنية – الفكر العربي – فلا جدال أن الجابري كان أعظم وأكبر مؤسسة في تاريخ هذا الفكر، ومن يقرأ له فسيعرف تماماً أن الجابري كان وحده مجموع ابن خلدون وابن رشد ومالك بن نبي. مشكلة محمد عابد الجابري أنه عاش بين أمة لا تقرأ، وإلا فمن العيب والعار، ومن دلالات الجهل أن إرثه الضخم لم يدخل منه كتاب واحد إلى مقررات الفصول في جامعة عربية واحدة. قبل – بكسر الباء – محمد الجابري جوائز العرب لمرتين: جائزة بغداد، لأنها من اليونسكو، ثم عاد ورفضها حين جاءت نفس الجائزة من الشارقة، وجائزة مؤسسة الفكر العربي للرواد لأنها مثلما قال في احتفال التسليم: أتت من مؤسسة مستقلة تمثل له بشارة ما عاش مبشراً من أجله من زمن اليأس والإحباط والقنوط العربي.
والطريف، حد الخجل، أن محمد عابد الجابري كان قبل عامين، وبأم عيني، يشق الصفوف إلى محاضرته في معرض الرياض للكتاب محاطاً بكتيبة أمن للحراسة من أجل الذين عارضوا حضوره وهم أصغر سناً بكثير من ميلاد بعض مؤلفاته وأصغر عقولاً من أن يستوعبوا حتى آخر كتبه عن (تفسير القرآن الحكيم). ومن المفارقة المضحكة أن تقف مندهشاً دون أن تعرف من يحرس من؟ هل هم يحرسون عقل محمد عابد الجابري، أم عضلات المحتسبين المفتولة التي يبدو أنها كانت تسير ضده بلا عقل؟ وكل ما حصده محمد عابد الجابري من إرثه الضخم لم يكن إلا الخطأ الفادح ،لأنه كتب لعرق بشري نادراً ما يقرأ ودائماً وكثيراً ما يصدر الأحكام المعلبة الجاهزة. أمة يضطر فيها المفكر أن يذهب للقاعة في حراسة أمنية. أمة يحاور فيها العقل دائماً بضع عضلات مفتولة. كل ما حصده الجابري من إرثه الضخم مجرد جائزتين بثمانين ألف دولار تمنح أحياناً لحادي ناقة تفوز بسباق للهجن، أو حتى، ولن أستحي عن البوح، رشة على راقصة في ملهى ارستقراطي من أيدي النخبة. كم هو محزن حد البكاء أن تشاهد محمد عابد الجابري أمامنا لأربعة أيام في بدلة واحدة وزوج حذاء مهترئ.